لها اول قبلة من أم النور ، ولثغرها الرشفة الاولى من سناء البدر ، تلك التلة الخضراء على كتف الضهور ! واما دفق العطر ، وتغلغل الموسيقى في ثنايا الغاب ، فسكرة دائمة ، ونشوة مستهيمة ؛ صنوبرات شامخات تناطح السحب بإباء وشمم ، تتهادى على متنها ، وفوق الاثير ، انغام عذاب ، تترنح في كل صوب .
اذا ما طالعت تلك الربى ، تغسل وجهك نسائم بليلة وكأنها بذلك غسلت همك وشجنك ، فتعودين مرحة خلية من المتاعب ، وتنغمسين في جوّ الحبور والسكينة والطهارة اذا شئت ، فالطبيعة حولك تنسيك عالم الانسان ، وما اصطنعت فيه يداه !...
اما ماذا يوجد فوق الرابية ؟...
فهاك المضارب تموج بين الابيض والاخضر ولون الغمام ، وامامها تعقد حلقات السلوى والدراسة ؛ فتيات في عمر البراعم والزهور ، هربت من حمأة المدينة اللاهية ، واجوائها الصخابة واستكانت الى زاوية لهي من اجمل بقاع الدنيا ، مهما اختلفت مقاييس الجمال .
تعالي معي الآن لنطوف قليلاً بين هذه الخيام ، ثم لا تنظري الى حذائك بين حين وآخر ، فانه ولا شك سيتلون بلون التراب هنا ، وحتى هذا التراب غير الذي تدوسينه في المدينة .
أرى في عينيك تساؤلاً عما ترين من نظافة وترتيب ؛ « أجل هذا كله يقوم على عاتق الفتيات ، فنحن هنا لنرشدهن الى العمل الفكري واليدوي ، فتحس كل واحدة مسؤوليتها كفرد يتطلب الكثير من الحياة ، وهو مطالب كذلك بمدّ الحياة من عطائه » هذا رأي الانسة ادما بيوض ، المديرة العامة لجمعية الشابات المسيحيات . فالفتاة تغسل وتكنس وتعبيء الماء من النبع القريب ثم تجمع الحطب ، وفي كل ذلك تنهل الصحة من ينبوع الهواء الطلق والشمس المنعشة . ويشيع على وجنتيها الحبور ، ولا تفارق شفتيها النغمات العذاب .
تلك الحلقات المنعقدة هنا وهناك ، ان هي الا لتمرس المخيمات على التمثيل والرسم والرقص ، ثم ترتيب البرامج الرياضية المختلفة .




