نحن من سنة ١٩٥٥ قيد أشهر، ومعلوم أن سنة ١٩٥٥ هي «سنة سياحية» في لبنان. ويُقدَّر بالألوف عدد الذين يتأهبون لزيارتنا، منذ الآن، فكيف تستعد المرأة اللبنانية لاثبات ذاتها؟ - لتمثيل دورها في المسرحية الكبرى التي يشهدها لبنان للمرة الأولى في تاريخه العريق؟
سنة ١٩٥٥ سنة سياحية في لبنان، فكيف تستطيع المرأة أن تساهم، جدياً، في هذا المشروع الوطني الكبير؟
قد يدهش القارئ، ساعة يسمعني أبدي رأيي من أن هذا المشروع هو في الأصل مشروع نسوي. إنه مشروع يتطلب بشاشة محيا، وثقافة عامة. خفّة في الحركة ولباقة في الحديث - وهذه لعمري، مزايا المرأة الأصيلة متى كانت على جانب رحب من العلم - ومن هنا نقطة الانطلاق إلى ما أريد قوله:
في لبنان اليوم حفنة كبيرة من الشابات المثقفات اللواتي يصلحن - خيراً من الرجال - لمهمات الاستقبال والمرافقة والدلالة (Guiding) - وقبلنا تنبهت حكومة الثورة في مصر إلى إمكانية المرأة في هذا الحقل، فشاهد كل من زار قصر الملك السابق فاروق دليلات نساء، لا أدلاء رجالاً، يسردن اللمحة التاريخية اللازمة، ويُجبن على الأسئلة بطلاقة وإيجاز، ويقابلن الزائرين بسمات عذاب فيتركن في نفوسهم أجمل الوقع.
هؤلاء الصبايا المثقفات المدرّبات هن أول من يلاقي السائح في المطار أو في المرفأ، وآخر من يلوح له مودعاً - وجه لبنان المليح هن، وفي الوجه، دون الجسم، تتضاعف العناية وتدقّ.
وتجدر الإشارة إلى أن السياح والزائرين الذين سيتجشمون مشاق الأسفار، في الأجواء وعبر البحار، ليحطوا في بقعة صغرى، تكاد لا ترى على سطح الكرة الأرضية - هؤلاء لن يرضيهم من التفرُّج ومن العناية ما يجيء ارتجالياً وحسب. وكلما تفننا في عرض محاسن بلادنا، وفي كشف الستار عن غامض أسرارها عبر التاريخ، وكلما هيأنا للضيوف الكرام أسباب الراحة الجسدية والمتعة النفسية غير المبتذلة، ساعدنا على إنجاح هذا المشروع، وعلى إمكان إعادته على نطاق أعم وأوسع. ومن يُنكر ميول المرأة الفطرية في مختلف هذه المجالات، لاسيما متى هُذِّبت هذه الميول، ومتى أحسن توجيهها وما يتفق وحاجة هذا البلد بالذات؟؟
إن الطاقة الأولية الضرورية متوفرة لدينا، وما علينا إلا أن نعقد النية على العمل. أما كيف سيكون ذلك فاخشى أن هذا ليس من اختصاصي، وقد يكون لمفوضية السياحة والاصطياف الكلمة الأولى فيه أو قد يكون لإحدى المؤسسات النسوية الكبرى القدرة الكافية على إخراج الفكرة إلى حيز التنفيذ، لأنني أؤمن أن المرأة متى اعتزمت أمراً آتته، ولا يحول شيء دون ذلك - ويقيني كذلك، أن بوسعها أن تؤمِّن هذا الجهاز النسوي المنظَّم، على أحسن وجه، حتى وإن لم يبق بيننا وبين السنة السياحية المرتقبة سوى بضعة شهور.
لا أنكر أن العمل ليس على غاية من السهولة وأنه يتطلب برنامجاً واضحاً، ويجب ألا يقبل فيه سوى اللواتي تتوفر فيهن مزايا خُلقية وخلفية معينة، وسوى اللواتي أنهين مرحلة من الدراسة العالية تؤهلن لاستيعاب الدروس المتوجبة، وللقدرة على تطبيقها وممارستها بسهولة وبدون تكلف، على نحو ما يحدث في البلدان الراقية.
قيل: متى وُجد المفتاح لا يبقى مستحيلاً الولوج إلى الداخل! وهذه كلمة صريحة ومخلصة أرفعها إلى المسؤولين، لعلها تلقى أذناً صاغية وإرادة إيجابية للعمل السريع المثمر...


