لو استطاع القروي في بلادي ان يجعل من قريته وحدها جمهورية قائمة بذاتها لما تأخر ... فالزحلاوي زحلاوي قبل ان يكون لبناني وهكذا الشويري والبحمدوني وغيره . اذ ان لكل بلدة او قرية عندنا في لبنان لونها الخاص وطبعتها المميزة ولهجتها المعروفة ، واساطيرها واخبارها الغريبة التي يتناقلها الاحفاد عن الاجداد والاولاد عن الآباء . وما اجل تلك الاساطير حين يلونها الوهم ويعبث بها الخيال الساذج الذي لا يحلق خارج حدود القرية فهو يرفرف فوق غابتها الوارفة ويحوم حول مغاورها المظلمة ويسبح في مياه عيونها التي لا تنضب ويحط في منعرجاتها المنعزلة ودروبها الوعرة المهجورة .
تعال معي الى احدى قرى المتن العريق ... برمانا ، تلك البلدة الوديعة التي ترعرعت في احضان غابات الصنوبر المسنة . وفي برمانا كما في كل قرية قصص وحكايات ومشاهد . لم يتقلص ظل الماضي عن تلك البقعة من بلادي فهو لا يزال مخيما هنا وهناك في بيوت اكل الدهر عليها وشرب ، وفي اكواخ هزيلة شاحبة ... وما ادرانا لعلها كانت قصور الامس !!
صور الماضي وحكاياته لا يرعاها ولا يعنى بها سوى العجائز الذين لو استطاعوا لاوقفوا عجلة الزمان لنعيش ابداً عيشة الامس الغنية في بساطتها المريحة في استقرارها على حد وصفهم طبعاً ! -
صادفت ابا سليم وهو جالس على مدخل بيته الذي يفوقه قدماً وسناً . فحييته تحية لبنانية ردها بابتسامة مضيافة مرحبة . لقد اراد ابو سليم ان يتحدث معي ليفرغ ما اودعه الماضي في جعبته من ذكريات واخبار قبل ان يفارق بيته وحقله وكرمه الفراق الاخير ...
وقفت اصغي اليه وهو يتكلم بلهجة لبنانية برمانية لم يعكرها صقل ولا تهذيب فعرفته درزياً يلفظ القاف الضخمة دون التواء او تخفيف ! .. اخبرني ابو سليم عن حياة الماضي الجميلة التي لا مثيل لها .. عن جهاده المستمر في سبيل تحصيل لقمة العيش المباركة .. عن حب اهل البلدة بعضهم لبعض .. عن بطولة اجداده وشهرتهم ، فمنهم من كان من جنود ابراهيم باشا الباسلين .. ومنهم من قهر السباع وروضهم بنظرة من نظراته الحادة .. ومنهم من قتل
«الضبع» بضربة واحدة من عصاه الغليظة التي احضرها معه من بلاد «الارجنتين» . وحدثني ابو سليم ايضاً عن سخاء اجدادنا وكرمهم وعن تقواهم وتسامحهم الا في المحافظة على الشرف ثم قال : «تفوه .. على هالايام والف تفوه !! ايام صارت فيها الحرمة حرة طليقة شاردة ( أجل السامعين ! ) بتصوت مثل الرجل وبتحكي بالسياسة وبتروح وبتجي بدون شور ولا دستور ! »
وفي لجة هذا التهجم علا صوت امراة من داخل البيت تقول : «ولو !! نسيت يا ابو سليم .. نسيت تخبرها عن ام سليم عن كدها وجدها ... بتغسل هون وبتخبز هون وبتعسف هونيك لتساعدك على الدهر ؟! شوباك ناكر الجميل ؟!
ولمحت من خلال ظلمة الغرفة شبح امرأة قد داهمها العجز قبل زوجها فاقعدها اكثر ايامها في الفراش انها من جنديات جبلنا المجهولات !..
وبرمانا تساير تيار التقدم والازدهار فحركة البناء والعمران تسير فيها على قدم وساق . اما الاوتيلات فكثيرة جداً وهي تكاد تربض على كل هضبة او سفح تلة جميلة . واكثر نزلائها من اخواننا العراقيين اهل الكيف والطرب . ولقد صادفت في «اوتيل قصر الصنوبر» صبياً عراقياً يغني فسألته مقاطعة عن احب الاغنيات لديه فاجابني على الفور «عمي يا بياع الورد .» ولما ذكرت له اغنية «يا عوازل فلفلوا» التي اصبحت اوسع انتشاراً من «كلنا للوطن للعلا للعلم .» ضحك وقال بظرف مفعم

