
مليحة زيدان
نصف قرن او اكثر والمرأة اللبنانية
في جهاد مستمر .. مطالبها كثيرة
وغاياتها سامية ونفسها اكبر من كل ما
يعترض سبيلها ... رسمت خطتها
الدفاعية وسارت عليها متأنية صابرة
صامتة حتى تمكنت اخيراً وبأقل ما
يتصور من الوقت ان تبلغ غايتها المثلى.
كانت المرأة في بداية حركتها البناءة
لا تزال محرومة من اكثر حقوقها وفي
مقدمتها العلم ... لم يكن العلم في ذلك
الوقت مسموحاً الا للرجل اما الفتاة
فهذا الموضوع لا علاقة لها به لأن العلم
في نظرهم يفسد الاخلاق ويفتح امام
الفتاة آفاقاً كثيرة ... آفاقاً اعتبرها
اجدادنا القدامى باباً للرذيلة والتحرر ..
فحجزوها داخل اربعة جدران ومنعوها
من التمتع بمفاتن الطبيعة ومفاتن الحياة
ونعموا هم وحدهم بذلك. ولكن ثورة
هؤلاء المحررات كانت اقوى من كل ما
اعترضها وبذلك تمكنت الفتاة من دخول
المدرسة ومن الارتواء من ينابيع العلم
الفياض ..
انتهت المشكلة الاولى واقبلت
الفتاة برغبة شديدة لنيل العلم وسجلت
انتصاراً لا مثيل له في هذا الميدان
ولكن الازمة لم تنته لقد عادت المشكلة
الى بدايتها فها ان ارخت المحررات
سلاحهن الجبار في المعركة الاولى حتى
بدأن يتأهبن لمعركة ثانية معركة هي اقوى
واخطر من الاولى لا بل هي احق
واجدر بالتخوف من الاولى.
نعم لقد شعرت الفتاة بأهمية وجودها
وأحست بضرورة عملها وجهادها عن
وعي وتفهم كما انها ارادت ان تتفهم
قضايا بلادها ومشاكلها والصعوبات التي
تتخبط فيها. لقد ارادت ان تكون
فرداً بناء .. فرداً تسمو البلاد اذا اراد
وتتقهقر اذا اراد ... فعزمت ان تدخل
الجامعة وما كان اصعب كلمة جامعة او
كلمة تخصص في تلك العصور السوداء
في تلك الايام التي ينهشها التعصب
نهشاً وتملأها الاقاويل والخرافات ...
نهضة لا مثيل لها .. وحركة مباركة
قامت بها المرأة وظفرت، فسجل
انتصارها هذا في سجل الوجود لأنها
كانت تجابه قوة جبارة مع ضعفها الذي
كانوا يتهمونها به .. فصفقت لانتصارها
وقهقهت قهقهة المنتصر بعد طول عناء
وتعب.
وكانت خطوة جبارة في تاريخ
المرأة فدخلت الفتاة الى الجامعة وبها
من الاعتداد بالنفس ومن التحمس
والرغبة ما لا يتصور لأنها كانت تؤمن
بأهمية الرسالة التي تحملها وتؤمن بضرورة
وجودها في الكيان الوطني، لذلك
استطاعت ان تجني ثمرة اهدافها بسرعة
واستطاعت جهودها هذه ان تثمر لأنها
لم تدخل الجامعة وما ارادت التخصص
للتلهي واللعب ولكي يقال عنها انها
متخصصة كما تفعل فتياتنا اليوم ولعل
هذه النقطة وحدها هي التي اردت ان
اجتثها لأنني ضقت ذرعاً من هذه
السخافات التي سمعتها ورأيتها من بعض
فتياتنا اللواتي طرقن باب الجامعة ...
لم يكن هدف المرأة في الحقيقة من
دخول الجامعة ان تتخصص لنفسها ولم
يكن هدفها ان يقول الناس عنها انها
متخصصة ولم تكن تفكر بمثل هذه
الامور السخيفة. انها ارادت ان تتخصص
لكي تؤدي الرسالة التي عهدت اليها
بأمان واخلاص وعن هداية ووعي
فجنت ثمار اهدافها وكانت تلك
الانتصارات التي سجلتها نساء ذلك العهد

٣٧