
قصة الرائد في كل عصر ومصر هي : قصة العزيمة تتحداها الصعاب فتتخطاها الى الذرى .
قصة البصيرة تتغشاها الظلمات فتفريها بالايمان الى مطارح النور .
قصة المحبة تتناهشها البغضاء فتغلبها بفيض من المحبة والسماحة والحنان .
وحسب الرائد ان تتجلى في حياته احدى هذه الفضائل ، لينفح جيله والاجيال التي تليه ، بما ينفع الناس ويمكث في الارض ، وليشق لهم في الوعر طريقاً الى الوفر او الخير او القوة او الحق .
وقد كانت فقيدتنا الغالية ، تتجلى بها جميعاً ، فكانت حياتها آية .
من المختارة ، الى صيدا ، الى الشويفات ، الى شفاعمرو في فلسطين ، الى برمانا الى بيروت — في جميع هذه الحواضر ، التي لاسمائها في النفوس وقع وصدى ، اقامت فقيدتنا الغالية ، دليلاً قاطعاً في اثر دليل ، على عزيمة لا تلين ولا تنثني ، في طلب المعرفة والحق ، وفي اتاحتهما لطلابها وطالباتها ، في مغالبة المرض في جسمها بقوى النفس المدخرة ، ومساعدتها المرضى على مغالبته بالتناصر مع اهل الخير ، في تكسير القيود التي تغل المرأة والرجل كليهما عن ان يصيرا ما ارادهما ربهما ان يكونا ، وحدة متكافئة الشطرين ، تصلح ان تكون اساساً وعنواناً لمجتمع سليم .
اقامت الدليل القاطع على ان بصيرتها النيرة ، نفذت من خلال رواسب الماضي المتكاثفة الى ما وراء نصف قرن من المستقبل المجهول ، فرأت رؤيا البيت اللبناني ، والبيت العربي ، «سماءها الاولى» كما وصفته في محاضرتها الكبيرة الاولى التي القتها منذ خمس واربعين سنة . على عرش هذا البيت اجلست الزوجة والام ، وقد نالت من اسباب التربية ما جعلها اهلاً لان تشارك في بناء الامة على اوفى وجه واشرفه ، فلما اصدرت مجلتها «المرأة الجديدة» في سنة ١٩٢١ جعلت شعارها : «الامة نسيج الامهات» ، وما ان رأت ببصيرتها هذه الرؤيا المشرقة ، حتى مضت الى الهدف ، متنادية متعاونة في «جامعة السيدات» ، أو وحدها ان لم يكن من الانفراد بد ولا مفر .

وعلى ما كان يعتلج في نفسها من شوق الى مستقبل المرأة الشرقية كما تراه ببصيرتها رائعاً كالشمس ، ومن عزيمة على تذليل كل صعب ، لم يرتق مجهودها الى الثورة الجائحة التي تقتلع وتحطم بالعنف ، بل جاوزتها ، بطبيعة الخير المركبة فيها ، الى ما هو اعلى واجدى ، الى المحبة التي تبني ، ببطء ، ولكنها تبني بناء راسياً على الدهر .
ومن نعمة الله عليها ، انها عاشت ، حتى رأت بعينيها من سرير سقمها خطوط تلك الصورة تكتمل شيئاً فشيئاً فكان ابتهاجها بها خير ترياق وبلسم لما يمضها من آلام .
