كان الوقت ليلاً وكان الجمع في ركن من اركان بيت قسطنطين ثابت ينصتون الى احد الحاضرين يوضح لهم برنامج حفلة خطابية ستقام في اليوم الثاني لتجمع فيها التبرعات في سبيل انعام مشروع بناء مصح للمصابين بداء السل . وكان بين الجمع سيدة تنصت للمتكلم بكل جوارحها ويشع النور من عينيها الزرقاوين ولم تكن هذه السيدة الا جوليا طعمه . لم ينته المتكلم من كلامه حتى كان التأثير قد ملك على جوليا كل خلجة من خلجات روحها فانتفضت
تقص على الحاضرين حكاية سيدة تعرفت اليها في برمانا وكانت مصابة بهذا الداء الخبيث ، اتى بها اولادها من بيروت ووضعوها في بيت استأجروه لها وتركوها فيه وحدها تقاسي آلام الجسم والوحدة ، وكانوا لا يعودونها الا نادراً خوفاً على انفسهم من العدوى بالمرض الذي ينهش رئتيها دون هوادة او رحمة . سمعت جوليا بهذه السيدة فأبت عليها انسانيتها ونبل نفسها الا زيارتها في كل مناسبة والتخفيف من وحدتها وآلامها
والعمل على رفع معنوياتها واملها في الحياة . قصت جوليا على الحاضرين قصة هذه السيدة بكل ما اوتيت من بلاغة اذ كانت تعيش ما تقول وتصور الالم الذي تحسّه بالقرب من هذه المريضة البائسة . وتغلغل كلامها في اعماقهم ، فشعروا بشعورها وتأثروا لتأثرها وطلب منها الحضور ان تقص هذه القصة في الحفل الكريم يوم الحفلة فرفضت رفضاً باتاً ، اذ كانت تهاب بيروت وتهاب مجتمعها خاصة وانه لم تكن من عادة سيدات لبنان في ذلك الوقت حضور الحفلات الخطابية ، فكيف بها وهي تقف بينهم خطيبة !
وفي اليوم التالي اثناء الحفلة الخطابية ، همست الآنسة ثابت باذن العريف ان يقدم جوليا طعمه للجمهور كي تقص عليهم ما اجادت بوصفه في الليلة السابقة ففعل ، وتجاه الامر
الواقع ، انتصبت جوليا وسارت الى الامام وكأن قوة خفية تدفعها الى المنبر الذي اعتلته لاول مرة في حياتها . ووقفت امام الحفل واستمدت قوتها من صمته والقت كلمة مؤثرة رائعة تجلت فيها سمو عواطفها ونبالة افكارها . واجادت بوصف الداء وآلامه وتعاسة المصابين ، حتى ملكت شعور الحضور وعاطفتهم . كانت تتكلم بحماس غريب وبصدق يدخل الى اعماق النفس فيهزها ويدفعها الى الخير والاحسان وما كادت تنتهي من قصتها حتى الهبت اكف الحاضرين بالتصفيق ففتحوا جيوبهم للمشروع يتبرعون له بسخاء لم ير له مثيل من قبل . لكن جوليا لم تحز اعجابهم وتصفيقهم فقط ، بل حازت ما هو اثمن ، حازت قلباً خفق لها بشدة وهفا اليها ، ولم يكن هذا القلب الا قلب بدر دمشقيه الذي استمع اليها من بين الحاضرين .
وابى الدهر الا ان يجمع بدر بجوليا مرة ثانية في اليوم الذي لطمها فيه حصان جامح ، يركبه علي سلام ، ابن سليم سلام وطرحها ارضاً ، فرافق بدر سليم سلام الى المستشفى حيث ذهب يعتذر من السيدة عن عمل ابنه ، فتعرف عن كثب الى هذه السيدة التي تتجلى بالنبل والوداعة .
جرت هذه الحادثة عام ١٩١٣ ، فكانت نقطة التحول في حياة جوليا ، اذ تزوجت من بدر دمشقيه لتكوّن البيت اللبناني الحق . وقد كانت في زواجها ثائرة ، متمردة .
اجل ثائرة ، لانها ادركت ببصيرتها الحادة ان الاسرة المثالية التي تجمع بين الرجل والمرأة تقوم على الحب والاعجاب والاحترام المتبادل وعلى الشعور بضرورة توريث ثقافتها وعاداتها الطيبة الى ابنائها ، وقد كان هذان المبدآن مفقودين في الاسرة اللبنانية حيث يفتح العقل من جانب الرجل ولا ينبلج من جهة المرأة لانعدام شخصيتها التام . وهذا الانعدام جردها من كل ارادة ، او فكرة سامية ، وحتم عليها ضعفها وجهلها ان تكون في نظر الرجل مخلوقة مبتورة ، تلزم سلوكاً خاصاً محوره الاطاعة العمياء والحيطة والحذر والشعور بالاثم تجاه الرجل لعدم تمكنها من الرقي الى القيام بعمل ايجابي . انتفضت جوليا في وجه هذا الوضع الكسيح ، فثارت عليه