ثورة ناقمة ، هي التي كان الفكر الغربي قد تغلغل الى اعماقها ، عن طريق ثقافتها ، واكسبها انطباعات جديدة عن الحياة الاجتماعية والروحية ذاتها وافهمها، انها مخلوق يمكنه ان يبتدئ من ذاته ، نحو ذاته فيخلق عادات ومفاهيم واذواقاً وقيماً جديدة تلائم اركان شخصيتها .
فهمت جوليا انها هي المسؤولة عن حياتها ، وهذا يعني انها مدعوة الى ان تبنيها كما تريد هي ، لا كما يريد الرجل . وقد كانت جبارة وايجابية في تمردها . جبارة؛ لانها احتجت باعتبارها انساناً على الحالة التي اناخها المجتمع اليها . وايجابية : لانها لم تثر لاجل الثورة فقط بل سلمت بنات جنسها مشروعاً تقويمياً رسمت فيه الخطوط الاساسية لحياة زوجية شرعية . لقد تجرأت ان تقول لا للاوضاع المهترئة المألوفة . تخلت عن كل شيء بل ان الامور قد طالت اكثر من اللازم وانه حان الوقت الذي يجب فيه على المرأة ان ترتقي وتسير في ركب المدنية . وقالت نعم لانها حافظت منذ اول حركة قامت بها ، على القيم المعنوية واتخذتها القاعدة الاساسية للنهج الذي سارت عليه طيلة حياتها ، ومن هنا رفضها السلب النهائي .
ان جوليا لم تهدم الا لتبني مع زوجها انقلاباً امتد اثره بعيداً في النظام الاجتماعي ، فقلب الاوضاع العتيقة منذ قرن تقريباً ، وانارا ظلمات العقائد الانسانية البالية ، وساهما الى حد بعيد في كل نهضة اجتماعية بناءة رغم كل الصعوبات المادية والمعنوية التي كانت تعترضها . لبت جوليا الدعوة بين ابناء البلاد قولاً وعملاً لتوثيق عرى الالفة والاتحاد بين مختلف العقائد والعادات فجعلا من بيتها ، لمفكري هذا العهد ، حلقة الوصل وعقدة الارتباط والتفاهم بين اهل القلم والادب والوطنية .
لقد تألمت جوليا من الطائفية وبحث انقسام اللبنانيين معسكرين متنافرين . فكتمت هذا الالم في نفسها وعقدت النية على محاربته ، لانها كانت تعلم بحدسها الثاقب ان قيمة الشيء في ما يظهر منه وان المرء لا يحاسب الا على عمل ظهر الى الوجود وصار عرضة للبحث والجدل . ان الوجدان سريع التقلبات ، غني التيارات جميل بهي احياناً ، وقبيح هزيل احياناً اخرى . انما ما قيمته اذا بقي وجداناً لا يتعدى صاحبه الى غيره ، ولا يخرج الى طور الفعل الحق لينتج . وهل يحاسب المرء على مجرد رغبته في القتل ان لم يقتل ؟ وهل يكافأ لمجرد رغبته في نشر الخير على الانسانية ان لم يفعل ذلك حقاً في سبيل انجازه ؟

