اذا كانت الحياة حركة ونشاطاً وعملاً مثمراً فقد برهنت جمعية اهل القلم في المؤتمر الذي دعت اليه في بيت مري، ان عروقها تضج بحرارة الحياة، وان الاديب العربي يتحفز للعمل المثمر بحماس تام ليؤدي رسالته كاملة نحو امته.
ورسالة الاديب شاقة بعيدة المزار لا يظفر بتأديتها الا كل من وهب الجلد على احتمال المشاق، واوتي الصبر على قطع ما شسع من المسافات.
ولقد كان من نتائج هذه الحركة ان وضعت ادباء العربية وجهاً لوجه امام ما يطلب منهم، فهي كذلك حركة مباركة تبشرنا بالوصول الى ما نتوق اليه ألا فلنحفظ لمن سعى لها كل امتنان وتقدم اليه كل شكر.
واهم ما لمسته في اعضاء المؤتمر الكرام، وهم قبضة من الادباء ممن عرفنا، لهم تفهم تام للرسالة التي هم مدعوون، من جهة، واقرار لا مواربة فيه، من جهة اخرى، بتقصير الادب العربي، لحد الان، عن بحث مشكلات الامة العربية.
ومعرفة الداء لعمري ليست بالشيء اليسير، فما دام اطباء الادب العربي قد فهموا الداء، فهم ولا شك جادون في ايجاد الدواء. فكل مشكلة تعترضهم هي بعد
ثانوية.. فالاحساس بالحاجة الى الشيء هو طريق وجدان هذا الشيء، او لم يُقل الحاجة ام الاختراع؟ المهم انهم احسوا بحاجة مجابهة اي مشكلة في سبيل الوصول.
من هذه المشكلات، مشكلة هامة هي مشكلة ازدواج اللغة التي طرحها على بساط البحث الاستاذ فؤاد افرام البستاني، هذه المشكلة واجدة حتماً حلاً يتلاءم مع حاجة الاديب فليس على الاديب ان يوقف عجلة سيره بسبب حصوات تعترض هذا السير بل عليه ان يسعى لتمهيد طريقه ونزع هذه الحصوات من دربه وذلك لا يتأتى الا بمواصلة الجد ومجابهة الصعاب بشجاعة واقدام.
اما واجبات الدولة نحو الادباء من حيث تسهيل وسائل الانتاج وحماية الملكية الادبية، واطلاق حرية التفكير والقول وتأمين العيش الكريم لهم ثم واجبهم في الدولة والمجتمع العربي فقد بحثه الاستاذ عبد الحليم عباس بكثير من الوعي قد بدأ ذلك يجد له حلاً طبيعياً عفوياً والا فكيف تيسر لهذا المؤتمر الانعقاد لولا ما بذل في سبيله من التنشيط مادياً ومعنوياً، وكيف انتزع الاديب هذا الحق لولا ما قام به من محاولة تأدية لواجب فهمه حق الفهم، فالواجب والحق متصلان متعلقان لا يكون الواحد اذا لم يكن الاخر، ولا ننكر ان من طبع الادب ان يكون معطاء قبل ان يكون آخاذاً والاديب يجب ان يعطي قبل ان يأخذ.
وقد بحث الدكتور مصطفى جواد
في المؤتمر موضوعاً حيوياً لا يسعنا الا ان نشهد بعملية نقل الدم الجديد الى جسم المريض، يعطيه قوة ونشاطاً ليعود ينبض بالحياة وهذه العملية هي الاساليب الفعالة التي تؤدي الى ايجاد مفردات تعبر عن حاجات المجتمع الحديث في العلم والفلسفة والادب، وتوحيد هذه المصطلحات في الاقطار العربية جميعها، وهو عمل طويل النفس لا يتم بين يوم ويوم بل يتطلب جهداً واخلاصاً وتجرداً، ثم أليس هذا العمل من صميم رسالة الاديب الذي عليه ان يصور عصره ومجتمعه، فكيف يصورهما ان لم يوفر لنفسه الادوات لذلك، وما ادوات الاديب الا هذه المفردات.
وبامكاننا القول ان الموضوع الذي عالجه الدكتور كامل كيلاني بحرية كان من ألذ موضوعات اسبوع الادب فضلاً عما تخلل هذا الاسبوع من امسيات شعرية كانت حافلة باللذة والاستمتاع.
ونحن اذ نسوق هذه الكلمة فلا يعني ان المؤتمر الادبي جاء كاملاً شاملاً، وليس بالامكان ان يكون ذلك وهي المرة الاولى التي يصار بها الى عقد مثله انما نقول ان الفوائد التي نتجت عنه كانت كثيرة فنحن اذ نهنئ جمعية اهل القلم بشخص رئيسها الاستاذ صلاح لبكي الذي قدرت البلاد اتعابه في هذا السبيل فاهدي وسام الارز من رتبة ضابط في الزيارة التي قام بها اعضاء المؤتمر الى بيت الامة، نعم اذ نهنئه بهذا التقدير نقول كل مؤتمر واهل الادب بخير وتقدم.

