أو بالعربية التي لا أفهمها في لهجاتها المختلفة .. ولكن حتى وهي تتحدث بلغة لا أفهمها ، مع قوم لا أعرفهم ، كنت أجد لذة ومتعة كبيرتين .. بل لقد أصبح الجلوس إليها عندي سلوتي الكبرى التي أؤثرها على رؤية الآثار القديمة أو المعالم الحديثة فقد كانت هذه السيدة تعكس لي في بساطة ويسر عبقرية الشرق ، وعبقرية المرأة ، وعبقرية الإنسانية في أفرادها العاديين .
وكانت تستقبل الناس كل صباح ، وكنت أحس أن لقاء الناس عندها هواية ، وفن جميل ، وكنت أراها تقابل وزيراً ، أو زعيماً ، أو أديباً ، بنفس الحماسة والإقبال اللذين تقابل بها بدوياً قادماً من الصحراء .. وكنت أرى أكثر الناس مللاً وسطحية ، يشرق وجهه ويتدفق حيوية في حضرتها فأحس ، أنها تهب الثقة ، والحب ، والمعرفة ، لكل من يجلس إليها ، فلا تلبث روحه أن تنتعش ، ويفيض ما فيها .. وكانت تقول لي دائماً : « لا بد أن نذهب للناس ، لأنهم يحبون الحقيقة ، ولا بد أن نحاول أن نكشف الكنز المخبوء في كل منهم .. »
لقد كانت تمسك بيدها قوساً سحرياً ، وكانت الإنسانية بالنسبة لها تمر عليها بقوسها ، فتخرج أعذب الألحان .. وقد يمسك أحد بنفس القوس ، ويعزف على نفس القيثارة ، فلا يخرج قط سوى نشاز !
وعلى يد حماتي تخلصت من النقيصة الغربية الكبرى ، وتخطيت الحاجز السميك الذي يفصلك حتى عن جارك قبل أن تقدم إليه رسمياً .. وتعلمت أن أثمن وأجمل وأهم ما على الأرض هو حب الإنسان للإنسان ، وسعي الإنسان نحو الإنسان .
قوة الإيمان
وعلمتني حماتي ، سر الشرق الأكبر ، وهو « الإيمان » الذي تحرك الجبال حبة خردل منه . فإن حماتي وهي في السبعين
من عمرها ، ومقعدة في سريرها ، لا تزال شعلة من الحيوية والنشاط ، تقرأ وتكتب ، وتملي رسائلها ، وتتابع آخر الحوادث ، وترسل في طلب أحدث الكتب والمؤلفات .. وحينما دهمها المرض ، بقيت على قوتها النفسية ، وهي التي كانت لا تكف عن الحركة والسفر ، لشهود المؤتمرات ، والخطابة ، والمحاضرة .
والإيمان هو الذي وهبها القوة الخارقة ، وهذه القدرة العجيبة على المقاومة .. الإيمان بهذا العالم ، وبالعالم

