بسيط جداً ، تلك البساطة الاخاذة التي تعد في عصرنا هذا الاناقة بعينها ، كانت متشحة « بتاير » اسود انيق وقد خلا جيدها ومعصمها من كل حلية ... لعلها ما تزال حزينة على زوجها الذي طواه الموت منذ ثلاث سنوات تاركاً وراءه ، اعمالاً تجارية واسعة ، ومشاريع مصممة في انتظار التنفيذ . وكان ان هبطت السيدة شفيقة الى ميدان الرجال تحتل مكان زوجها الراحل ، فأمست بذلك من السيدات القلائل في بلدنا اللواتي يتعاطين الاعمال التجارية الضخمة ويمارسن لغة الارقام العويصة المعقدة ، وهي تحاول بذلك ، وبما اوتيت من عزم وقوة ، ان تحافظ على ذلك الاسم الذي خلفه زوجها في عالم التجارة والاقتصاد ...
واستقر بنا المقام فخضنا غمار الحديث ... هنأتها على ذلك النصر الذي احرزته بانتخابها عضوا في مجلس ادارة مصرف انترا ، وبتواضع جم مضت تحدثني عن اصرار المجلس على انتخابها ومانعتها هي لا لشيء سوى لانهاكها باعمالها التجارية من ناحية ثم لانغماسها بنشاطها الاجتماعي من ناحية اخرى فهي عضو في جامعة نساء لبنان ، وعضو اداري في جمعية الصليب الاحمر اللبناني وقد جدد انتخابها مؤخراً ، هذا عدا كونها رئيسة شرف لمعظم الجمعيات اللبنانية الخيرية كجمعية مستشفى الاطفال وجمعية العناية بالطفل ...
وسألتها عن ذلك المستوصف القائم بجوار منزلها والذي ذاع خبره وانتشر ، في معظم الاوساط الفقيرة المعوزة ، فراحت تخبرني انها لسنوات خلت عندما لمست تفاقم عدد المرضى المتزايد عاماً بعد
عام ، وحاجتهم الماسة الى العناية المجانية ، قامت بمشروعها هذا ، مستوفية فيه جميع الشروط الصحية ، وقد اطلقت عليه اسم زوجها الراحل تخليداً لذكراه واحساناً عن روحه ... هذا ويستقبل المستوصف المرضى ، الكبار منهم والصغار على السواء يزودهم بالادوية اللازمة ويشرف عليه زمرة منتخبة من خيرة الاطباء ... وعلى ذكر زوجها الفقيد ، اخبرتني السيدة شفيقة انها اوقفت باسمه ثلاثة آلاف ليرة ، منحة مدرسية سنوية لكلية المقاصد الاسلامية ، تعطى للمتفوقات بين طالباتها ... وكفّت السيدة شفيقة عن الكلام ... ومضيت انا بدوري استعرض تلك المساهمات المالية والتبرعات الخيرية التي تقوم بها السيدة شفيقة بسخاء كلما دعت الحاجة والمناسبة ، يدفعها الى ذلك اريحية سامية وشعور انساني نبيل ... وحاولت ان استدرجها للبوح بشيء من تلك المساهمات الانسانية السامية فاذا بها تغض من بصرها وهي تومي لي بان خير احسان هو ما يحيطه الانسان بستار من الكتمان ...
والمرأة مهما طوّفت خارج منزلها ، رائدة ، باحثة ، مستقصية ، لا بد لها من العودة الى عشها الهادي حيث ينتظرها اطفالها وفلذات كبدها ... هكذا السيدة شفيقة ... ما كدت اسألها عن صغارها - حتى اشرق وجهها بنور الامومة وطغت عليه موجة من البشر والحنان ، وراحت تحدثني عن سلمى وسلوى وسليم - تلامذتي مسبقاً في كلية البنات الانجيلية الفرنسية ... ففي غمرة مشاغلها ، تجد كل يوم فسحة من الوقت تقضيها معهم ، تستمع الى شكوى هذه ، ونجوى تلك ، وانشاد ذاك ... فسلمى كبرى بناتها ، قد بلغت صف الشهادة التكميلية هذا العام ، وهي برعة غضة ، تتفتح يوماً بعد يوم ، وهي حلوة ، مشرقة ، خلوقة ، بدأت الاعين والابصار تتهافت لاختطافها في اصرار وعناد ... والأم حيرى من امرها ، فسلمى صغيرة بلا شك ، ولكن « النصيب عجيب » ، كما تقول السيدة شفيقة ... واما سلوى فمجتهدة ، محبوبة من معلماتها ورفيقاتها ، لطيبة قلبها ، واقبالها على العمل برغبة ولهفة ... واما الصغير سليم فانه ينال من اهتمام امه نصيب الاسد ، اذ هي تروضه منذ اليوم على اقتحام
