طفلتي في السادسة من عمرها ، وتريدها المعلمة ان تبدأ دروس الموسيقى ، اذ تعتقد بان البدء الباكر يساعدها على تحصيل اوفر ؛ لكني رفضت ، مع اني قادرة على دفع الرسم ، اذ اراها لا تكترث جدياً لهذا الفن ؛ بينما كنت اهتم في طفولتي ان اتعلم الغناء ، وبقي هذا الشوق يخالج نفسي ، حتى بدأت ممارسة هوايتي منذ اسبوع ، على يد مدرس ماهر ؛ فاذا كانت ليلى راغبة في درس الموسيقى ، سوف تحصل على رغبتها متى كبرت ، اذ يمكنها ان تقدر الموسيقى اكثر ، وتكون الدراسة فكرتها هي ، لا فرض الآخرين عليها .
حين رويت الفكرة لصديقاتي تلقينها بدهشة وتعجب ، وربما صدمت احداهن ، فكل هذا برأيهن ، يعني اني ام انانية ، تريد ان تحرم ابنتها من دروس البيانو القيمة لتحتكر هي الغناء لنفسها . وصدمت بدوري لأرى ان هذا موقفهن مني . وانجلت لناظري الفكرة الخاطئة عن واجبات الامومة التي نعتنقها دون النظر الى عميق جوهرها .
برأيهن ان الأم المثالية تعطي كل حياتها لأولادها ، وتضرب صفحاً عن اهوائها الثقافية ، ثم تبدو ابداً منهكة لراحتهم وهي اذا ترتب حياتها حول محور واحد ، اولادها .
منذ ولادة الطفل الاول تتوقف الأم عن الحياة كفرد له مظهره ، فتطرح جانباً مهمة الزوجة ، وتستبدلها بالأمومة التي تنسيها واجب الزوجية ، ويصبح ذلك العطف الذي كان لزوجها منه نصيب ، ملك ابنائها وملكهم فحسب . ولا عجب اذا كانت اكثر شكاوي الرجال تتضمن هذه العبارة : «زوجتي تهتم بأولادي اكثر مني ، حتى ليخيّل اليّ باني طويت من كتاب حياتها ، وصرت لديها آلة لجمع النقود .»
بهذا تنهك المرأة حياتها ، وتنشيء جيلاً لا يقدر على تكييف معيشته بنفسه فيما بعد . اننا نذبل شخصيتنا وذكاءنا وزواجنا باسم الامومة الصالحة .
بعض صاحباتي لا يشاركني شعوري بان ظهور الأم بشكل محترم اهم من ظهور اولادها اذ انها تقوم بهذا لارضاء زوجها ، على الاخص وانها تستقبل اصدقاءه فيرفع رأسه فخراً واعجاباً بكمالها .
تسيطر التعاسة على انفس الاطفال اذا اختلفوا عن لدائهم بمظهرهم ، ولكن اللباس شيء ثانوي بالنسبة لصغر سنهم ، وكل ما يهمهم ان تخدم ثيابهم الغاية . اعرف جارة تشتري لأولادها كل انواع الثياب الثمينة ، التي تشغل وقتها وترهق جيبها ، فهي مصممة على ان يظهروا بأناقة حتى في اوقات لعبهم ، وتخرج للسهرة مع زوجها بثوب قديم زري .
هذا لا يعني بأني لا اسمح لابنتي ان ترتدي ثياباً حسنة وتتعلم كيف تقدر قيمة الملابس ؛ فهي التي تختار لون ثيابها ونوعها ، ثم تحس بجمال ثيابها على الأخص القطع التي تبتاعها وسينمو هذا الشعور معها ويزيد ثقتها بنفسها .
كانت خطوة صعبة ، وفي بادئ الامر عجزت عن اقناع زوجي ليرضى بهذا التصميم التربوي ، اذ يحس بان واجبنا يقضي بأن نقوم بكل متطلبات الاولاد ، ولكني نجحت اخيراً معه وصار يرى نظرتي في التربية ، وقد علّق على وضع الجارة قائلاً : «يبدو لي ان اماً منزلة هكذا في حبها لأولادها لا تعير رجلها أي اهتمام» . اني لا ادعو الامهات الى اهمال اولادهن ، ولكن واجب الزوجة يدعوها لاعارة رجلها نفس الاهتمام .
كنت منذ يومين في مخزن ألعاب ، استلفت نظر ليلى من بينها لعبة جميلة ، وكنت اود ان اشتريها لألمح إشراقة المرح تشع من عينيها ، ولكني فضلت


