
حول مائدة ، في مطعم ، دار نقاش بين رجلين ، حول معرفة الانسان الشاذ من الطبيعي ، فاحتج احدهما بأنه قادر على معرفة الشاذ من مسافة بعيدة ، وأشار الى فتاة في الزاوية قائلاً : «أترى تلك الفتاة كيف تضرب جبينها ، هي طبعاً شاذة .» ووافق الصديق على رأيه ، ولما انتهى الجدال والطعام ، نهض الاثنان ، ومرّا بقرب الفتاة التي ما زالت منهكة بتحريك يدها حركة عصبية ، ولما قربا منها علما انها كانت تحاول طرد ذبابة كبيرة ، تطنّ حول رأسها !
الوضع الطبيعي كالسعادة ، نطلبه ونجهل تحديده ، غير انه سيخالف السعادة باننا لا نعلم حين نحصل عليه .
نحكم باننا طبيعيون اذا ما قابلنا انفسنا بالغير ، ولكن كيف نعلم بان هؤلاء طبيعيون ؟ أبالنظر لتصرفاتهم ؟ ولكن احياناً يظهرون عكس الحقيقة ؛ ففي مثل الفتاة والذبابة لا يمكن ان نحكم عن بعد على الوضع الظاهري ، فكيف بداخلية النفس ؟
ننظر الى الطبيعة كمثل أعلى لتصرفاتنا ، ثم لا يهمنا اذا قيل لنا بأننا فوق الطبيعة ، وهذا يعني الشذوذ ؛ فالنعت الطبيعي هو مستوى العامة وبهذا التحديد يمكن ان تعدّ تأكّل الاسنان طبيعياً ، لانه حال الكثرة الساحقة من البشر ، اما اذا قلنا ، ان الوضع الطبيعي مثال للكمال ، فيكون تأكّل الاسنان شذوذاً .
أو ليس من العجيب ، ان نرفض وضعاً ينافي ما حولنا ثم نقبل ان نفوق الغير ونصبح «فوق الطبيعة» ؟ ... ثم مهما اختلف نعت الطبيعة ، فلا يمكن ان يبقى الانسان طبيعياً في كل حين ، لان مقادير مجتمعنا تصطدم وتختلف حتى نضيع السبيل . فكما نحس ألم الرأس او أي عضو في الجسد ، هكذا تجتاحنا موجات من الخوف والحزن والغضب ، نجهل أحياناً مسبباتها ، وطالما لا تمنعنا هذه الحالات عن متابعة اعمالنا ، تعدّ طبيعية .
سمير من الشباب المثقفين ، ضعفت أعصابه لفترة ، وكان من الطبيعي جداً الا يبحث عن العلاج ، ولكنّ والديه يفضلان
موته على استشارة طبيب نفسي .
لا يمكن ان ننعت عملاً بالطبيعي او الشاذ ان لم نلم بأسبابه ومؤثراته ، فاذا رأينا رجلاً يغسل يدين قذرتين لا نعيره أي اهتمام ، ولكن حين نراه يعيد غسل يدين نظيفتين مراراً نشك حالاً بشذوذه .
نحسّ بشعور غريب لدى مساعدتنا للمحتاجين ، كما يخالجنا اكتفاء نفسي ، حين ننهي واجباتنا ، وهذه مكافأة الضمير ، غير ان هناك من ينشد الراحة المؤقتة بالتهرب من المسؤولية وهذا لا يعد طبيعة عملية .
شبّه احدهم حياة الانسان بسيارة تقطع الطريق حاملة في قلبها كمية من زيت يقودها ، وهو قابل للانفجار وما ذلك الا الالحاح والاحاسيس الاساسية ، التي لا يمكن بدونها ان تتابع المسير ؛ ومتى احسّ السائق باختلال في المحرّك يتوقف طبعاً ليعيد النظر في الآلة التي بين يديه .
تؤثّر الحالات الجسمانية ، كالأمراض ، على النفس ، ولكن العامة لا تقدّر ذلك ، وينعت صاحبها بالشذوذ . كل الفرق بين