في غرة الحداثة ، إذ فوارة الماء ، في البركة ، جانب البيت ، هي في العيون القريبة العهد برؤية الأشياء ، شلال نياغرا ... وإذ باب الحديقة البعيد هو باب الدنيا ... وإذ الخادم الهرمة سندبادة بحرية ... كنت كثيراً ما أجلس إلى السندبادة ، في أخريات السهرة ، والفصل شتاء ، وأشجار تضج في العاصفة ، والمطر ، والليل المدلهم . فتقص عليّ الخادم قصص البحر - وكنت لم أر البحر بعيني ، بقدر : فمركب يلجج في المحيط ، يمخر فيه ألف شهر ، ثم لا يرجع ، وراية عليها غبار من أرض بعيدة ، ونوتية خضر ، وحمر ، وبنات ماء نصفهن إنسان ، ونصفهن الآخر سمك ، يرقصن على الشطوط ، ورياح تهب في آخر الأرض ، وتأتي فوق وجه الماء ، تهتف بالأغاني ، في الألسن الغريبة ، إلى آخر ما في تلك القصص ... حتى إذ أفرغت الخادم البحر في مخيلتي ، وطالت الساعات عليّ ، أغفيت بين آلاف المراكب ، والرايات ، والنوتية ، وبنات البحر ، فإذا طلعت تباشير النهار ، وقد لطف الجو وخرجت بي
السندبادة إلى الحديقة ، وأقبلنا على البركة ، قلت لمولاتي :
« - مسكين بحرنا هذا ! لا مركب فيه ، ولا نوتي ولا بنت ماء ، واحدة ... »
فتضحك الخادم عن مثل فوهة البحرة ، ثم تقول :
« البحر ؟ إنه أرحب من الدنيا ، فأين منه بركة بيتنا ! » .
فأقول ، وقد دهشت ، وزم فيّ ، فكأنه حديدة الفوارة ، في البركة !
« من الدنيا ؟!! » .
« نعم ! أرحب من الدنيا ! » .
فأقول :
« أنا ، إذن أحبك قدر البحر ، فلو تقولين لي ما لونه ! »
« لون الحمام الأزرق ، وتغرق فيه الشمس فيحمومر ، ويزلق القمر ، من منحدر الشمال ، في بعض الليالي ، فيمسي البحر بركة من الفضة الذائبة ... »
وهكذا ظل البحر شغل خاطري ، وحديث نفسي ، طول أيامي بالطفولة .



