عنهن ، ومن صميم كيانهن ؟
تعمل المرأة في الريف ، واقدّر جهودها ، اذ تهيء كل حاجيات اسرتها من طعام وسواه ، ولا يخفى عسر وسائل العمل لديها ، اذ تفقد كل المسهلات التي تحصل عليها اختها في المدينة ، ثم ترافق زوجها الى عمله ، فتجاهد واياه على صعيد واحد ، هذا فضلاً عن مشقة إنجابها الاولاد .
الضرورة ، تقودها الى الكدح ، ولكن هل تعي بأن اطفالها احوج اليها من العمل الوقتي ؟ فكيف يمكنها ان توفق بين الوجهتين ، وكلتاهما ضرورة ماسة ؟..
ثم هناك مشكلة الامية ، وهي ليست بالغريبة على مفهومنا ، فمع ان القرية اللبنانية تعدّ ارقى من سواها ، نجد ان اكثرها ، تكاد تفقد حتى المدرسة البدائية ، على الاخصّ للفتيات ، اما حان ان نفهم ضرورة تعليم الفتاة ؟ وإن وُجدت هنا في المدرسة ، على افتقارها الى المقوّمات اللازمة لتكييف جوّ علمي ، فان معظم الاهلين لا يهتمون بتعليم اولادهم ، ويفضلون ان يقوم الولد بخدمات زهيدة ، في البيت او خارجه ، على ان يذهب لارتشاف اكسير العلم ؛ أو ليس من الحق ان نطالب لهؤلاء الآباء والامهات بقانون ، يجبرهم على ارسال ابنائهم للمدرسة ، حتى ولو في المرحلة البدائية ؟... ثم ماذا يمكن ان ينتج عن تشرد الاطفال ؟ ان جيلاً ينشأ في الازقة ، يكون خطراً على مجتمعه ، فهل ترضى انسانيتنا عن هذه الحياة ، لفلذات اكبادنا ؟ أنتركها تتمرّغ في التراب ؟ وتذرّ منه على نفسها وعينيها حجاباً يمنع عنها نور الحق
والمعرفة ؟؟...
سُئل مربٍ كبير : « في أي سنّ تصحّ تربية الولد ، أفي سن الشباب أي في العشرين ؟ » فأجاب : « لا ، قبل ». وعاد السائل فقال : « في سن الطفولة اذن ؟ » وأشار المربي ان لا ، حتى قبل هذا الحين . ولما دهش سائله طمأنه قائلاً: « التربية توجد قبل الولادة ، وبذلك أعني تربية الأم ، حتى يمكنها انشاء جيل صالح خبير » .
مهما بالغ المربي بمثله ، فانه قريب جداً من الواقع التربوي ؛ فالمدرسة التي نرسل اليها اولادنا تلقن افكارهم وعقولهم بعلوم قيّمة غير ان هناك من يسبقها الى تأسيس البناء ، الا وهو البيت ، فكيف يُنتظر ان تصمد بناية في وجه الصواعق والعناصر اذا كان اساسها مزعزعاً ؟ أو فاسداً ؟؟
آن لنا ان نعي هذه الحقائق الدامية ، طالما نحن نتبارى مع البلدان المتمدنة ، ونسير جرياً في مضمار الحضارة !
تقوم في الولايات المتحدة مؤسسات ينضم اليها المدرسون والاهالي لبحث مشاكل التعليم والتربية ، فيطلع الاهل على المناهج التي تُتبع في تثقيف ابنائهم ، فمتى يصبح لنا شبيه هذه المؤسسات ، ويهتم الاهل في كيفية نشوء ابنائهم ، فلا يتركونهم للمدرسة ، التي تعجز عن القيام بغير المسؤولية الملقاة على عاتقها بعد البيت !..
انها امور اساسية ، يحسها كل منا ، ويعيها اذا تأمل جدياً ، فلبنان يعتز بقراه ، ويريدها ان تنهض مع المدن ، حتى يحلّق عالياً في سماء الحضارة ، وكيف يتم له ذلك ان لم يتساوَ جناحاه ؟

