ذهبتَ يوم خريف ، يوم اغبرار ورياح وقتوم ...
بكيتُ عند شجرة نائحة ، يسلخ الريح عنها الورق ، فابتلعت الأرض اليابسة دموعي وكانت وكأنها لم تكن ...
ولكن كانت هناك دموع قلبي الذي وقع في قعر صدري صريعاً لاهث الأنفاس ...
حملت حفنة تراب في يدي وقلت لها :
« هكذا لعب بك صغيراً ، هكذا حملك ورش تراباً فوق تراب ... »
ثم تحسّست جذع الشجرة وقلت لها :
« هنا وضع قدمه وقفز الى اغصانك واختبأ بأوراقك ، يرش عليّ من قمتك حبوب الأرز والفول ... ليته يعود لألصق عليك ورقاً أخضر جديداً وأقول له : « عد صغيراً يا حبيبي ، عد صغيراً واقفز على الشجر واختبئ بين الأغصان ، فأنت على قمة الشجر آمن وكأنك نائم في حجري ... » لكنه ذهب ولن يعود . لن أقول له شيئاً ولن ألصق قلبك ورقاً ، كنت أحزن كلما رأيت الخريف يسلخ عنك الورق ، أما الآن فلا أستطيع ولكني أعرف ما هو ، ألمُ سلخ شيء عن شيء ! ... »
ثم نظرت الى يدي وقلت لها :
« ليته يعود صغيراً لدن الأصابع طريّ اليدين يمدهما اليكما ويقول : « احمليني يا ماما فأنا تعبان » لقد ذهب ولن يعود .. لن يعود صغيراً يشكو التعب والجوع والنعاس ولن نستطيع الوصول اليه » ...
لقد مرّ ذلك الخريف وذلك اليوم يا بنيّ ، يوم الرياح والاغبرار والقتوم ومرّ خريف آخر وها أنا في ثالث ، ولكن اين أنت ؟ ماذا تفعل وماذا تقول من خلف البحار ووسط الغرباء ؟ لمن تشكو ولمن تمدّ يديك ؟
إني أعصر يدي وأعصر عيوني وأقول :
« عدْ اليّ يا بنيّ ، عد صغيراً لدناً طريّاً ، عدْ اليّ طفلاً ضاحكاً باكياً شاكياً ، عد اليّ كما تريد أن تعود ، فقط عدْ الى صدري لأضمك اليه واحميك من كل سوء ، عد اليّ لألف يدي حول عنقك ولا أدعك تفلت مني الى الأبد ..
ولكن أواه يا حبيبي ، انك لن تعود ...





