الشك ، وعدم الايمان ، يضعفان الحيوية في نفسك ، ويمتصانها من روحية طفلك ، فتنكمش قابليته للتعلم والمعرفة .
ان العبوسة والقساوة والــبرودة سموم تجرّد الولد من قوته . يحتـــاج الطفل الى جوّ من العطف والمحبــة ، ليساعد نموّه ، كما يلتفت حوله ، باحثاً عن اشخاص محبين ، ينسج على منوالهم ، فانه يسعى لايجاد قالب يشكل حياته على شكله .
لاحظي طفلة في الثالثة من عمرها ، كيف تلاحق أخاها الاكبر ، تعيد كلماته ، وتقلّد ألعابه وتبكي اذا لم يسمح لها باستعمال دراجته أو كرسيه .
ثم انظري هذا الطفل البالغ السادسة من عمره ، ألا ترين كيف يقتفي خطوات ابيه : ـ ماذا تريد ان تعمل يا أبي ؟ هل اقدر ان ارافقك؟ اهكذا تمسك السكين؟
منزلك مدرسة ، يتدرّب فيها طفلك دون علم منه ، فيأخذ عنك وعن والده
الوقفة والصوت ، والتعامل مع الغير . اخبرني أب محب ، ومتفهم لولده انــه كان امام المغسلة يفرك اسنانه ، ويــده اليسرى تستقرّ على جانبه ، بينما يبدو قدمه الأيمن معاكساً للآخر . انها وقفة هزلية نوعاً ما ، ووقف الطفـل البالغ الرابعة من العمر ، يراقب الأب ويقلده ودون ان ينتبه ، بصق الأب ، وتـلاه الطفل بالعمل عينه ، اذ كان يتخيل انه ينظف اسنانه ، وضحك الاثنان للنكتة في جوّ من المحبة والتفاهم .
من واجبك ان تعيشي حياة هادئة مع ابنائك وزوجك ، اذا اردتهم ان يقتفوا خطاك ، ثم كوني موضوع ثقة طفلك ، والا اضعته .
يحب الولد ، بطبعه ، ان يختبر بعض الامور بنفسه ، لكن المدنية تقطع عليه المجرى الطبيعي ، فهي تعني الانتظار للتعلم ، فاذا صبرت ، وفّرت عليه مشقة
الاصطدامات التي تواجهها في غضون نموّه .
في كل وضع ، نودّ ان نعطي اولادنا مما افدنا ، من اختبارات الحياة ، وبذلك لا يمكننا ان نحـــدّد الصواب المطلق أو الخطأ ؛ فان بعض الشعوب تأكل اربع وجبات في النهـار ، بينما نكتفي نحن بثلاث ، كما نرى المرأة في بلد ، لولب الحركة العملية ، وعندنا يتسلم الزمام الرجل . هناك شعوب تقدّس البقر ، ونحن نحلل اكله ؛ اما اولادنا فيجب ان يتلقنوا طرقنا الخاصة ، وحبنا فقط يجعلهم يتبعون ذلك .
انه عمل سهل ، غـــير انه واجب المربين الاول ، فالذي لا يتعلمه ولدك اليوم ، سوف يلاقيه غـداً ، فكلما أوقدت شعلة الحماس في نفسه زاد طموحه للاستزادة من العلوم ، اما اذا خمـدت فقد انتهت حياته ، فعلى المربين ان يدفعوا الاولاد ، بالتشجيع والتشويق للمضي في سبل الحياة .
لقد حسّنت المدارس بناياتها لتساعد على التعليم ، وهكذا تصرف كثيراً من الاموال لأجل وسائل الايضاح بالصور المتحركة والموسيقى ، وتدرس الادارات الكتب لتهتدي الى احسن وسيلة تربوية ، ثم في البيت ، تفرد الاسرة غرفة خاصة للأحداث وتضع بـين ايديهم الالعاب المنسجمة مع سنهم . كل هذا من حسنات العصر ؛ ولكن اهم منه ذاتية الشخص ، فما هو شعورنا حيال ابنائنا ؟ هل عندهم الثقة الكافية وهي منبع الصداقة والرفقة؟
هذا هو الوقت الذي يحتاج البنا فيه الاحداث ، فينشأون في جوّ مفعم بالغبطة والمحبـــة ليواجهوا المصاعب ببسمة أمل !


