... لا تقولوا ان احمرار الشقائق المتسلط هو وحده الذي يبرج حقول مجتمعنا ... انسيتم البنفسجة ؟
مذ بدأت ارى وازن واتعمد الغوص في البواطن كل البواطن ... رحت اقتش عن البنفسجة ... وصرت احب البنفسجة واجدها حلوة كبيرة ...
لم تكن البنفسجة ضعيفة في يوم من الايام ! ولكنها عرفت ببراعتها الصامتة كيف تجمل معنى التواضع فيغدو عرشاً للكبر ! ومأوى للعظمة مهما تعددت اشكالها والوانها ودرجاتها ...
عرفت السيدة الماس دويك منذ زمن طويل ... وكانت لصلة القرابة بيننا اليد الاولى في تعريفها الي ... وكثيراً ما كنت اجتمع بها هنا وهناك فاحييها وتحييني ثم اسألها عن حالها او عن صحتها فتجيبني باختصار مع ابتسامة عابرة تكون بمثابة مسك الختام للحديث بيننا وأي حديث !
لم استمع الى حديثها ولم أزرها مرة واحدة ولكنني كنت المس في لفتاتها رهافة في الحس ولطفاً في الاصغاء ... وكفاني ذلك لان اقول عنها بيني وبين نفسي انها انسان غير عادي ...
تتابعت الايام واذا بي اجد نفسي في موعد مع الصدفة - انا التي كانت لي الصدف اوفى وافضل المواعيد ...
... كان علي ّ ان ارافق امي في احدى « جولاتها » - فلانه مريضة منذ يومين .. وفلانه ( مسكينة هذه الفلانه ) عاتبة غاضبة وقد اقسمت انها لن تطأ عتبة بيتنا اذا لم نشرب معها فنجانا من القهوة في احدى « الصبحيات » - كان علي ّ ان ارافق امي الى هنا وهناك ... اوَ لست صبية ... والحمد لله ! وفي طريق العودة عرجنا على السيدة الماس وكانت وحدها في المنزل ترتبه وتزينه وتنسقه ..
لا ادري كيف بدأ الحديث بيننا هذه المرة ولكنه ما لبث ان سار سيرته الطبيعية من المستقبل الى الحاضر الى الماضي ... ذلك الامس الطويل او قل ذلك العالم الغريب القائم بنفسه .
لقد عاشت سيدتنا حياة الماضي سنين عديدة اي عندما كانت الفتاة تنعم مستسلمة في احضان تلك التقاليد ... فكانت كسائر النساء تضع الحجاب على وجهها وهو جزء لا يتجزأ من شخصية المرأة آنذاك . وقد كانت اول اهانة اصابت العروس الماس من زوجها انه طلب منها بكل لباقة ولياقة ان تنزع الحجاب لتستريح فرفضت باباء وشمم وتمسّكت بستارة وجهها الى ان نزعتها الايام عنه بعد زمن قصير .
وفصاحتها لا تقتصر عن بلاغتها وقد عرفت فيها الصراحة المخلصة والتمرد المتعالي .