قصة غريبة جرت لاحدى صديقاتي مع موظف أمين يقف ساعات طويلة كل يوم منتصباً على قدميه ضمن دائرة محدودة ضيقة للقيام بواجبه المقدس، مع مواطن صبور يعمل على حفظ النظام، وسلامة الارواح، متعرضاً لوهج الشمس صيفاً وقرّ الرياح شتاءً في سبيل كسب ليرات معدودات... فيتعرض لشتى الامراض التي تنجم عادة عن الوقوف الثابت الطويل، ويتعرض ايضاً لفظاظة المشاة والسائقين ذوي الضمائر الضعيفة، والقلوب المتحجرة.
بينما كنت البارحة أقطف من حديقتي بعض الزهرات لأزيّن بها الدار وصل الى مسمعي صوت سيارة تتوقف. تلفت الى الشارع فرأيت صديقتي علياء تترجل من السيارة، وتطرق بابها بعنف، ثم تتجه نحوي. كان الحزن باديا على ملامحها كالمعتاد. فناديتها مرحبة :
- اهلاً بك يا علياء! ما هذه المفاجأة الحلوة؟ اهكذا تأتين من غير اعلامي؟
- كنت متأكدة من وجودك لعلمي انك قلما تغادرين الدار صباحاً. هل ندخلها؟
ودخلنا سوية. لم اقترح عليها المكوث في الحديقة لأني كنت على يقين من رفضها. فقد حرّمت على نفسها كل شيء ممتع منذ ما يقرب من عامين، حتى الاستمتاع بالهواء الطلق. وكثيراً ما حاولت اقناعها بضرورة الرضوخ الى مشيئة الله، والتسليم بالواقع ولكن محاولاتي ذهبت ادراج الرياح. ان هذه الصبية آثر زميلة من زميلات الدراسة لدي، واعز صديقة عندي. لهفي على علياء! سواء الامس المرحة التي كان رنين ضحكاتها، وصدى نكاتها، يزّ الجوزاء، وقد اضحت اليوم وهي لم تتجاوز عامها الثالث والعشرين شبحاً هزيلاً ملتفاً بالسواد، ووجهاً
شاحباً تتوقد فيه عينان جميلتان تمتلآن بالدمع لأتفه الاسباب. اما ثغرها الفاتن الذي كان لا يكاد يفارق الابتسامة، فقد ناصبها العداء منذ ان ابطل المناداة باسم الحبيب.
استغربت مجيئها المفاجيء وادركت ان له باعثاً هاماً لانها لم تزرني منذ ان ألمّت بها مصيبتها الفادحة. كنت في بادئ الامر اذهب لمواساتها كل يوم ثم اصبحت ازورها مرة أو مرتين في الاسبوع، الى ان تطوعت لخدمة ميتم صغير، وبدأت تواظب يومياً على ادارة شؤونه. وكان ذلك منذ عام تقريباً. فقلّت زياراتي لها لانها اصبحت تذهب كل صباح الى الميتم، تقود سيارتها بنفسها، ثم تعود ظهراً الى دار ابويها، بعد قضاء اربع ساعات في تنظيم السجلات، وقيد الحسابات، وكتابة التقرير اليومي. كانت تدخن كثيراً وتمتنع عن مقابلة اي انسان، ما عدا رئيسة الجمعية الخيرية التي تنفق على الميتم اذا ما صادف وأتت اليه قبل الظهر لتتفقد شؤونه. وغالباً ما كانت تحضر معها الى الدار اشغالاً يدوية من خياطة وتطريز تتسلى بأنجازها، ثم تقدمها الى الجمعية، فتبيعها ويستفيد الميتم من ثمنها.
قدمت لها علبة التبغ، وجلست امامها والغبطة تغمر نفسي، اعبّر عن فرحي بقدومها. فشكرتني بحرارة وقالت :
-- ان حالي على عهدك بها. فلا انا ميتة في عداد الاموات لاني انهض وأمشي وآكل واشرب... ولا انا حية مثل الاحياء لاني لا اشعر بتفاعل الحياة ودبيبها في نفسي، ولا انتظر شيئاً من غدي كما لا احرص مطلقاً على المتعة بيومي. غير اني اود ألا تنقطع صلتي بالماضي لكي اعيش فيه بلذته وألمه ان كان لا مناص لي من الحياة! جئت الآن يا دعد لأحملك قليلاً من همي الجديد. لم أرك منذ اسبوعين، أي منذ ان شدّدت الحياة خناقها عليّ مجدداً. انت على اطلاع بقصتي مع شرطي السير. لقد غاب عن مركزه، وكنت اتألم وأسر في آن واحد بالقاء نظرة على وجهه وهامته مرة أو مرتين كل يوم من وراء زجاج نظارتي القاتم وأنت تدركين قيمة هذه النظرة واهميتها بالنسبة الى روحي العطشى وعيني المحرومة. كان وجود ذلك الشرطي يهيء لي سبيل العيش في ذكرى الماضي العزيز ويغنيني عن الاستئناس بالصور والاحلام ويدخل على نفسي راحة كبرى كما تعلمين. فماذا ألمّ به يا ترى؟ يجب ان اعثر عليه. يجب ان اعلم مصيره.
