الطفل هو الأساس الذي يبنى عليه المجتمع ، وعلى جودة هذا الأساس ومتانة خلقه وحسن غرسه يتوقف بنيان المستقبل أن حسناً أو رديئاً .
وكما أن كل بناء أن لم يكن جيد الأساس متينة لا يثبت أمام العواصف والزوابع والزلازل المجتاحة كذلك بناء المجتمع ينهار بسرعة أمام زوابع الحياة وصعابها ، إن كان فاسد الأساس وضعيفه ، فلذا نرى أن الأمم الراقية صارت تعنى بتربية الطفل عناية عظيمة لتبني مجتمعها على أساس قوي ، يستطيع أن يبقى ثابتاً متماسكاً أمام هزات الحياة .
وإذا ألقينا نظرة شاملة فاحصة على حالة أطفالنا ، هذه الينابيع الفوارة للحياة ، نجد أننا لم نعطها ما لها من حق الرعاية والتعهد ، لتروي مجتمعنا المقبل ، بمياهها العذبة الصافية . ولم ننظم تربيتها على أصول فنية حديثة ، لتمثل القوى المستقبلية ، التي تستطيع أن تضطلع بالمهام ، وتقوم بحمل الأعباء .
وإني أقول بأسف أن التربية المثلى للطفل غير معروفة في شرقنا الأوسط .
إن تربية الأطفال ، تبدأ في بواكير الطفولة في البيت وفي رياض الأطفال ثم في المدرسة ، وفي هذه البيئات الثلاث ، يتأثر الأطفال بما يلقنون تأثراً بالغاً يكيف حياتهم في المستقبل .
فهل تقوم ربات البيوت بما يطلب منهن نحو هؤلاء الأطفال ، من واجب ومسؤولية عظيمين ؟ هل تساعد الأم طفلها على نمو ملكاته وازدهار مواهبه وتحويل ميوله نحو وجهة الخير ؟ هل تفكر الأم أن تزود طفلها كل صباح بما يحتاجه ليبدأ يوماً نشيطاً بهيجاً منتجاً ؟
إن التربية هي التي تمنح الطيبات إن كانت صالحة ، وهي التي تعزز في النشء الصفات الرديئة ، وتسيء إليهم وإلى مجتمعهم إن كانت غير متمشية على أساليب صحيحة ، تحقق أهدافنا في
إيجاد المواطن الصالح . فما هي الأهداف التي رسمناها لتكوين المستقبل ، الذي يحمل أعباء الوطن وينشر العيش الهني بين أفراد الشعب ؟ يقول علماء التربية ، أن طبيعة الطفل في أول الأمر مطاوعة إلى حد لا يكاد يصدق . فالجمهرة العظمى من الأطفال ، مادة لتكوين المواطن الصالح أو لتخريج مجرم .
إن الأطفال تحمل قلوباً لينة فيها الكثير من ينابيع الخير ورواد الجمال فواجب المربين أن ينحوا هذه القلوب اللينة كثيراً من الرعاية ، ويبثوا في جوها البهجة والحب ليجعلوا حياة الطفل تسير سيراً حسناً ، وأن يشيعوا في عالمه الصغير الطمأنينة والأمان ، وبهذا التوجيه ، وهذه الطمأنينة ، وهذا الأمان ، تتركز حياته على أساس متين يساعده أن يحيا حياة يتغلب بها على الصعوبات عندما لا يكونون بجانبه .
فالتربية المثلى هي أن يربى الطفل في جو فرح بعيد عن النكد والهم ، اللذين يؤذيان ترعرع نمو الطفل ويشوشان صفاء ذهنه وطيب أخلاقه ويعرضانه لعقد نفسية تسيء إليه في مستقبل حياته إساءة كبيرة . وإذا راقبنا تدرج نمو الأطفال بدقة نجد أنهم يندفعون بشوق وشجاعة للاستطلاع ، فإن تعطشهم للمعرفة يجعلهم يهتمون إذا فتحنا لهم علبة لمعرفة ما فيها . وإذا أردنا أن يكون حبهم للاستطلاع مثمراً فعلينا أن نقرنه بأسلوب فني لتحصيل المعرفة .
إن الأطفال يحبون أن يقلدوا من هم أكبر منهم سناً ولذا يجب أن يكون تصرفنا أمامهم حسب ما نريده منهم . فنحن نطلب من الطفل أن يتصرف حسب القواعد الأدبية بينما نحن لا نقرب له ذلك . ونطلب منه أن يحبنا دون أن نعمل له شيئاً يجعلنا نكسب محبته وأحياناً كثيرة نسأله بإلحاح عن مسائل ليس باستطاعته الإجابة عليها ونتكلم عنه في حضوره أشياء تسيء إليه ، ونفخر في بعض الأحيان بانتصارنا عليه بأسلوب جارح يجعلنا نخرج من مجتمع الكبار . وكثيراً ما نتخاصم أمامه كأنه لا يعنيه أن يرى أحباءه من الكبار يجرح كل منهم شعور الآخر . ومع هذا ننتظر منه أن يكون مفكراً أديباً محباً لنا ولغيره من الأطفال . ولست أدري ما الذي يجعلنا نتجاهل حقيقة وأهمية شعور الطفل ، فكأنه لا يسمع ولا ينظر ولا يشعر ، أو بالأحرى لا تعنيه أقوالنا ولا أعمالنا ولا حالتنا النفسية التي نحن فيها . والحقيقة أن كل هذه تؤثر في شعوره
