قدّر على السلطنة العثمانية ان تعيش
مفككة الأوصال منذ عمدت كل واحدة
من الدول الاجنبية الى توجيه العناصر
العثمانية والطوائف وجهات ترضاها ، من
شأنها ان تفضي الى التنابذ بغية وصول
تلك الدول الى نيل نصيبها على وجه أتم
من ميراث « الرجل المريض » .
ولما اضطر السلطان عبد الحميد
( ١٨٧٦ - ١٩٠٩ ) ازاء هذه السياسة
الأجنبية للالتجاء الى الجامعة الاسلامية ،
وشرع يؤلف بين المسلمين حول الخلافة
ازداد التنافر بين طوائف السلطنة .
ذلك لأن هذه السياسة حملت الطوائف
غير المسلمة على اعتبار السلطان خليفة
للمسلمين وليس ملكاً على العثمانيين جميعهم .
وبينما كانت اوروبا ، ولا سيما روسيا
وفرنسا ، تجهد لجمع شتات العناصر المسيحية
والطوائف في كل قطر من اقطار
السلطنة وتعمل لاثارتها عليها ، مضى
السلطان في تطبيق سياسة التفريق بين
العناصر بشتى الوسائل ، وقد فصل
الكنيسة البلغارية في صوفيا عن
البطريركية الارثوذكسية في استامبول
تمشياً مع هذه السياسة .
هذا وكان العرب العثمانيون أخذوا
يتحسسون بالشعور القومي منذ اواخر
القرن التاسع عشر بتأثير الارساليات
والمدارس والقنصليات الاجنبية ؛ فخاف
السلطان مغبة تعاون المسلمين منهم مع
مواطنيهم المسيحيين الذين كان يعتبرهم
سواعد الاجانب ، وسارع الى القاء
الشقاق بين بعضهم البعض . ولا سيما في
بلاد الشام التي شقت طريقها الى التمدن
الحديث قبل سواها . كما استمر على
التفريق بين المسلمين انفسهم ؛ فكان
يغري امير حائل : ابن الرشيد
بأمير الرياض ابن سعود ، ويجند اشراف
مكة على امام اليمن ، ويثير هذا ضد
امير عسير ، هذا فضلاً عن القائه العداوة
والبغضاء بين الاكراد والارمن ، وبين
العرب ومواطنيهم الشراكسة .
ان هذه السياسة : « سياسة فرق
تسد » التي جرى عليها السلطان ، كما
جرت عليها الدول الأجنبية حيال المسلم
والمسيحي في تركيا ، افضت بالتالي الى

٥
