أن تجعل مفهوم كلمة «أمة» لا ينطبق على الشعب العثماني نظراً لاختلاف طوائفه وعناصره في أمانيهم وآمالهم، فضلاً عن اختلافهم في تربياتهم واتجاهات ثقافتهم.
لذلك فما إن فكت عقل الألسنة، بإعلان الدستور ١٩٠٨ حتى انكشفت السرائر، وبدا تفسخ فظيع بين الصفوف كان ينذر بأنه من المستحيل بقاء هذه الكتل المتنافرة تحت سماء وطن واحد.
وحينئذ عرفنا السبب في موقف السلطان عبد الحميد الموقف المعارض لأعلان الدستور؛ هذا السبب الذي استخف به (الاتحاديون) جماعة حزب الاتحاد والترقي الذين تسلطوا بعد عبد الحميد على الدولة، ظانين أن مجرد إعلان «المساواة والإخاء والحرية» يخلق فجأة أمة متحدة.
وحينئذ ردّدنا قول القائل: «وإنك لا تجني من الشوك العنب»
والواقع أن «الرجل المريض»، بحسب تعبير قيصر روسيا، كان قد بلغ مرحلة الاحتضار. وليس بوسع أية سياسة أن تنقذه من الموت، سواء أكانت سياسة استبدادية، أم كانت سياسة دستورية.. «ولكل أجل كتاب».
وبعد فإن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون. وهكذا فإن بلاد الشام، ولبنان بصورة خاصة، التي كانت مسرحاً لرواية «فرق تسد» التي عني بتمثيلها كل من السلطة الحاكمة، والدول المستعمرة، لا تزال تتأثر بمخلفات تلك المسرحية المؤلمة رغم زوال تلك السلطة، وتمتع البلاد بالاستقلال. وما جلجلات أجراس التباعد بين أفراد الشعب الواحد التي لا تزال تضرب بين الفينة والفينة إلا

