هذه أسطورة عريقة نسج خيوطها الحكماء في ما غبر من العصور ، أسطورة من أساطير الأقدمين ، تتصور الدنيا كالإنسان الأكبر لها روح وجسد وتمر بأطوار وتقلبات الكائن الحي حتى إذا بلغت سن الرشد تنبه السحرة والعرافون وبشروا العالم بالحدث الجديد ، -
أما الإنسان فهو الآخر بمنزلة الدنيا الصغيرة تنعكس فيه أشعة الكون الأكبر ، -
فالصلة بينها موضوع تبادل وتفاعل ، -
فعيد الميلاد عند الإنسان يقابله مرحلة جديدة من مراحل الدنيا التي انتقلت من طور التأسيس إلى طور الاستواء والتقديس ، -
يرافق هذه المقارنة جوّ من اليقظة فيقظة الإنسان تجعله ينفذ من المنظور إلى ما هو غير منظور ، ومن المثل الأدنى إلى المثل الأعلى .
ويقظة الكون تجعله يتحرك مع الإنسان ويتطبع بطابعه ، -
ويستجمع الإنسان خصائص اليقظتين فيتوصل إلى معرفة الحق ، -
إن الإنسان وهو رهن المحبسين محبس الجسد ومحبس المادة هو أبداً مشغول بمصارعة المظاهر ، وسلاحه نور العقل وأدواته بعض الرموز ، -
فمن الرموز القديمة أسطورة ثانية هي مثل الكهف الأفلاطوني ، -
يقول حكيم اليونان إن مثلنا مع العلم مثل أناس وضعوا منذ طفولتهم في أعماق كهف وأنهم قد أوثقوا بسلاسل ثقيلة بحيث لا يستطيعون نهوضاً ولا مشياً ولا تلفتاً وأديرت وجوهها إلى داخل الكهف فلا
يملكون النظر إلا إلى أماكنهم ، فيرون على الجدار ضوء نار عظيمة وأشباح أشخاص وأشياء تمر وراءهم ولما كانوا لم يروا في حياتهم سوى الأشباح فيتوهمونها أعياناً ، -
فإذا أطلقنا أحدهم وأدرنا وجهه للنار فجأة فإنه ينبهر ويتحير على مقامه المظلم ويعتقد أن العلم الحق معرفة الأشباح ثم يفيق من ذهوله وينظر إلى الأشياء في ضوء الليل الباهت
أو إلى صورها المنعكسة في الماء حتى تعتاد عيناه ضوء النهار ويستطيع أن ينظر الأشياء نفسها ثم إلى الشمس مصدر كل نور .
وبالمناسبة أذكر أن قدماء المصريين كانوا ينعتون الشمس بأكورة الله أي الكلمة وأن حكماء الوثنيين كان لهم معتقدات سرية من شأنها حل جميع رموز الدنيا ، -
وكان يسود الاعتقاد عندهم أن الإنسان إذا ما تمكن من تحمل النور الساطع تمكن من المعرفة وبات صانعاً من صناع العقل الأوحد ، -
