إذا قصدنا اطلاق تشبيه على الادب فبأي شيء نشبهه ؟
اما انا فاعتقد ان الادب كالزي تماماً .
الزي يخضع لتطورات العصر ومطالب الحياة ، وكذلك يجب ان يكون الادب خاضعاً للتطور ، متجدداً دائماً ومتوثباً .
ليس الادب كما يفهمه « القدماء » شرح المعلقات والتنقيب عن الوتد وآثار اقدام البعير ، وعن عبلة وهند ... او دراسة الشنفرى ومكانة قصائده من الشعر العربي . ثم العربدة مع ابي نواس في كوخه المظلم الخانق .
ليس هو بث لواعج النفس المحترقة بنيران الحب - حب المرأة فقط - في كلمات متراصة ، خيالية حيناً وجافة حيناً آخر .
انما الادب هو الحياة . الحياة التي نعيشها بالوانها وحركاتها ، بقيحها وروعتها . بدناستها وطهرها . بكل ما فيها من واقعية وما فيها من حقائق .
لهذا حين تتطور الحياة يتطور الادب . ولا بد عندها للادباء من ان يتجددوا بدورهم ، أي ان يلبسوا « زياً أدبياً » جديداً بأسلوبه وافكاره وغاياته .
ويقف ادباء الامس معترضين ، لانهم لن يعترفوا بان الثوب الادبي الذي ينسدل على قاماتهم ، ثوب عتيق ، تركت عليه السنون آثار استعمار وحروب وتعصب واقطاعية ... ثوب الادب لربع قرن مضى .
هذا الزمن مضى ، وتغيرت معالم حياتنا ، ولكن الادب بقي صلبا ، عنيدا لا يريد اصحابه ان يتبدل بدوره ، كأنما هو حلية يملكها الاديب وينقلها معه من قصر الى قصر ومن صومعة الى صومعة . الى ان يحط به الترحال على قمة الجبل ، يشرف من عليائه على سير حياة الشعب .
وصرخنا « الادب في محنة » لأنه تنحى عن التعمق في تفهم انتاج القدماء واتباع اساليبهم الفنية التي ابتكروها .
لان صحفنا الادبية عمدت الى تهذيب النفس الانسانية لا الملكة الادبية فقط ، الى اصلاح الواقع لا الى تثقيف المدارك .
ولانه اخيراً ولد من يحس بهذا النقص الذي يشكوه ادبنا اليوم ، وباهمية الاتجاه الذي يتخذه . فاطلقنا على هؤلاء « المواليد الصغار » .
اذن ، فالمشكلة هي « مشكلة الادباء » لا مشكلة الادب او بتعبير اوضح هي مشكلة « الزي في الادب » . مشكلة القديم وتمسكه بالحياة ، وولادة الجديد بفورانه وبحثه عن الغذاء والنور ...
ولا ادري كيف عرضت امامي صورة جدتي وانا اتحدث عن الادب ، صورة جدتي وهي صبية ترتدي الثياب الفضفاضة القاتمة ، وتعقص شعرها الطويل في اعلى رأسها ، وتنتعل الحذاء المقفل بكعبه المتوسط الارتفاع ... وعاشت جدتي الى اليوم . عايشتنا نحن احفادها . وعجبت في اول الامر كيف كانت تنظر الي بضيق وسخرية . كانت تحدق دوماً في ثيابي . انا ألبس تفصيلات حديثة بالوانها وحركاتها بعد ان قصصت شعري . وكنت اتعمد دراسة نفسية جدتي محاولة الظهور امامها عمدا بكل زي حديث اتبعه ، فتطيل في التحديق وتتمم كلمات مبهمة لا اسمعها ، ثم تتضايق متململة وبعصبية ظاهرة تشرح لي منافع « الزي » الذي تتبعه هي . دالة على اسرار الجمال فيه ثم تهاجم « ازياءنا نحن » الجديدة وتدفعني الى تمزيق ثيابي وابادتها والاقلاع عن اتباع اسسها . ثم تتحسس شعري مستغفرة ، مستعيدة من الشياطين التي مسختني = ذكراً .
وكنت احاول عبثاً بدوري ، ان ابين لها ان حياة الناشئة اليوم غيرها بالامس ونحن نضطر لاتباع هذه الازياء ، بحكم اضطرارنا للعمل ، للسرعة ، للحركة المتواصلة . لقنتني جدتي دروساً كثيرة بعد ان نجحت في التغلغل الى نفسها واطلعت على ما يعتمل في نفس القديم من خوف وقلق وصراع ، حين



