احقاً هذا هو الاديب الصغير الجديد؟احقاً هذا هو الاديب الصغير الجديد؟
قد يمر الكاتب في اوائل حياته الادبية بفترة يقلد فيها ما انتجه كبار المفكرين وهذه المرحلة ـ مرحلة التقليد ـ هي الفترة التي يستجمع فيها قواه ليخلق بعدها، ويبدع في خلقه. انها مرحلة تكوينه وبدء انطلاقه.
فالاديب الصغير الناشيء في اوائل حياته الادبية صدى لنغمات فكرية متباينة وملتقى نماذج فنية يصقلها هو ويكون له فضل التكيف والتلوين حسب واقع مجتمعه، ومطالب حياته. والادباء العظماء ـ كل الادباء ـ لا بد لهم الا ان يخضعوا لتلك المؤثرات: «فشكسبير» كان في بدء كتابته للمسرح يجاري المفاهيم الفنية الشائعة في عصره.
ورضخ «شو» زمناً تحت تأثير شكسبير.
اما «بتهوفن» فقد عمد الى تقليد موزارت في سمفونيته الاولى.
نستنتج من ذلك انه لا بد للاديب الصغير الا ان يخضع لسنة التطور. ولا بد له الا ان يجتاز حالات النمو المتسلسلة ليكبر ويصلب عوده.
يمر بانفعالات عاطفية يرى في المياه الوسخة الجارية، وسط الشارع، نهرا رقراقاً عذباً. وفي زجرة الرياح وانسكاب المطر انغاماً تهدهد احاسيسه وتسكنها. وفي اللون الاحمر دماء وثورة وانتقاما.
ثم يقف بعد هذه الثورة قليلاً، ليعيش ولوقت قصير ساكناً لا يفكر ولا ينتج ولا يطالع وهذه المرحلة هي نقطة التحول في حياته الادبية.
وفي بعض بلدان العالم الراقية «اقلام تحرير خاصة لادباء كبار» وظيفتها دراسة انتاج الادباء الجدد، حتى اذا لمسوا نبوغاً او تجديداً في كتابة احدهم ساعدوه مادياً ومعنوياً، ليظهر ويحلق في ظهوره.
فالادب هو الاداة الفعالة في بناء حياة الانسان وفي تكوين ذاته الفردية والاجتماعية. ولا يؤدي الادب مهمته الخطيرة هذه الا اذا جارى زي العصر، وعادات المجتمع فأكمل النقص الذي تشكوه الامة، وداوى المرض الذي ينخر كيان الدولة وتسلل في مجاهل الفكر البشري باحثاً عن اسرار النفس وعن اساليب فنية جديدة للحياة وللفن اروع واسمى من الاساليب المعروفة الشائعة.
والواقع اليوم هو واقع الناشئة، بعد ان استكملت الحرية الفردية نموها في الامة، بعد زوال الاستعمار والاضطهاد. وعم الوعي الاجتماعي اخيراً بين الجنسين. فمن الضروري اذن افساح المجال للناشئة لابداء رأيها. من الضروري تشجيع كل انتاج لهم ادبياً كان ام فنياً ومن الضروري انتقاد هذا الانتاج، متبعين بذلك اسس حديثة الاساليب والغايات مراعين الوقت والجو الذي يعيشها الكاتب. فلكل عصر ادباؤه كما لكل عصر زيه. واذا قصدنا التثبت من ذلك نلاحظ ان الاديب الذي زار لبنان منذ ربع قرن واراد كتابة مذكرات. ماذا عساه يدون؟ ماذا عساه يخط في مفكرته؟ ماذا؟ سوى هذه العبارات ـ
«الطرقات وعرة في اكثر مصايف
لبنان ـ يا لهذا الحمار انه يزعجني فعلاً بنهيقه المتواصل فيصرفني عن التمتع بروعة الطبيعة الساجية امام عيني».
«نزلت اليوم الى بيروت العاصمة وتنقلت في شوارعها الضيقة باحدى عربات الكارو».
«لا اثر للمرأة في الطرقات ـ سارجع الى غرفتي مستقلاً «الحنطور» لأنني متعب».
اما كاتب اليوم فماذا تعتقدونه يدون في يومياته؟
هل يذكر السكون في مصايفنا المشهورة ـ ؟
هل يجرؤ على تسمية «الكاديلاك» و«الترام» و«الكارو» او «الحنطور»؟ ونحن اذا سألنا القديم رأيه بالمرأة فماذا يجيب وماذا عساه يكتب؟ كيف يحاول ان يتقبل ثورة المرأة الجديدة وهي للأمس القريب شبه منعدمة من الوجود لولا ازدياد النسل في بلداننا العربية؟
ومن الحب لا نجد في الادب العربي الا نوعاً واحداً ـ هو حب المرأة كما قلت قبلاً ـ والذنب ليس ذنب الكاتب لأن الوعي الاجتماعي لم يكن مستكملاً نموه. اما الان فقد تشعبت هذه الكلمة بمفاهيمها فاذا نحن نحس ـ بحب الاسرة ـ حب الاولاد ـ حب الوطن ـ وحب الانسانية جمعاء.
كما ان الادب القديم لم يعرف او على الاصح لم «يجرؤ» على اظهار الحقيقة عارية. اما لضغط سياسي او لنقص تهذيبي في عقلية الشعب او لضعف في شخصية الكاتب نفسه.
كان اذا تكلم عن الخطيئة صورها
(البقية على الصفحة ٥٠)