كنتُ اطّلع بعض المقالات في موضوع «اصلاح التعليم في فرنسا» وتبين لي ان هذه المشكلة ما زالت منذ عشر سنوات تشغل اذهان الفرنسيين وتتناولها بالبحث اقلام كتّابهم من اساتذة ومعلمين وصحافيين واداريين واختصاصيين في فن التربية. وما زالت حتى اليوم تُنشر حولها المقالات المبنية على الاختبار من جهة وعلى التنقيب الاحصائي من جهة اخرى. وللآن لم يصلوا فيها الى نتائج حاسمة، لأنها تتخذ عندهم من الخطورة مقداراً يفرض عليهم الانتظار ريثما يكتمل احتكاك الآراء حول الموضوع، ويجتمع لديهم اكبر عدد ممكن من المقترحات والتوصيات.
اما هنا، حيث يشغلنا الموضوع نفسه منذ مدة، وتتناوله بالكلام دون الدرس والتنقيب الكافيين، فقد تقرر بين ليلة وضحاها وضع منهج ثانوي جديد للبنات، وفي برهة من الزمن ظهر في هذا السبيل منهجان مختلفان لكل منها نزعته ومواده.
ايُّ دراسات تمهيدية سبقت الاقتراح وما ولّده من مناهج؟ والى ماذا يستند اولئك الذين يريدون التفريق بين منهج البنات ومنهج البنين في الصفوف الثانوية؟ هل استندوا الى نتائج البكالوريا؟ وهذه لا ترينا ان معدل النجاح عند البنات يقل عمّا هو عند الصبيان.
ام استندوا الى احصاءات ارتهم تناقص عدد اللواتي يدخلن الجامعات؟ والامر على العكس تماماً فطالبات الاختصاص الجامعي في نمو مستمر وان كان عددهن ما يزال قليلاً. ام انهم استعانوا بخبرة الشعوب التي سبقتنا في مضمار التعليم؟ وليس بين هذه الشعوب واحد يرى فائدة التمييز بين البنات والصبيان في المنهج الثانوي. اذ ليس هناك فروق عقلية اساسية بين الجنسين تقتضي هذا التفريق، الا في ناحية التمارين الرياضية
التي تمارس منها البنات انواعاً أقل خشونة مما يمارسه الصبيان.
وبعدُ، لو استوحى اولياء الامر مقررات هيئة الامم المتحدة لوجدوا انها تُلحّ على ان يكون «التعليم العام الذي تتلقاه البنات معادلاً من حيث القيمة والمستوى لما يتلقاه الصبيان».
اما الذين يستنكرون كثرة السقوط في امتحانات البكالوريا ويؤلمهم ان لا يحصل عليها جميع المرشحين والمرشحات، فالى هؤلاء نقول: ليس ضرورياً ان يصل جميع الطلاب والطالبات الى البكالوريا. بل من الضروري ان يقف قسم كبير منهم عند نهاية التعليم الابتدائي العالي للاستعداد لمهنة او لدرس فنٍّ من الفنون.
ان التعليم في مدارسنا ما يزال معظمه نظرياً، كحالته في اول نشأته. والبلاد في تطور سريع يحتم علينا زيادة الاهتمام بالتعليم المهني (التكنيكي). وما زال هذا التعليم يلقى اهمالاً كبيراً في توجيه الصبيان واهمالاً اشد في توجيه البنات. ولأذكر
على سبيل المثال حاجتنا الى الممرضات والى المعلمات المدرّبات في رياض الاطفال والصفوف الاولية لنعلم شدة افتقارنا الى التوجيه المهني.
اما اذا كان بين الراسبات في التعليم الثانوي مَنْ يرغبن في زيادة التثقيف النظري، فقد يُتاح للمدرسة ان تنشئ لهن فرعاً خاصاً تتناسب دروسه مع مستواهن. لكن لا يجوز ان نسمي ذلك اتماماً للدراسة الثانوية او منهجاً يقود الى شهادة ما. بل يكون بمثابة دروس خصوصية في مواضيع معينة.
اذا تخلّينا عن الاغراض التي اوحت الينا بفكرة التفريق ودرسنا الموضوع على ضوء العلم والاختبار والتمحيص، سهُل علينا الاقتناع بخطأ الفكرة وكنا حينئذ من المنصفين.
