فطينة طفلة في شهرها العاشر من العمر . لم تكن مصابة بأي مرض عضوي . ولكنها رغم ذلك كثيراً من الاوقات تتقيأ ما يعطى لها من الطعام وكثيراً ما كانت ترفض الاطعمة المتنوعة قبل دخولها في فمها - حتى الماء كانت لا تأخذه وهكذا كانت تظهر تصرفات غريبة وشاذة عندما يؤتى بأكل او مشرب : كالنوم اثناء الاكل او التثاؤب او اطباق الفم على الاكل مدة طويلة او تقيؤه عندما يدخل الى جوفها . حارت الأم ازاء هذه التصرفات ولم تتمكن من ادراك كنهها فكانت تعزو هذه الاحداث الى امراض داخلية - الشيء الذي حذا بها الى نقل ابنتها الى المستشفى حيث لم يمض وقت طويل حتى اصبحت فطينة تأكل وتشرب وتنام برعاية الممرضات ولم يعد ثمة اثر للتصرفات التي تبدر في البيت . فرحت امها فرحاً كبيراً وظنت ان ابنتها قد شفيت من جميع الامراض التي كانت تتوهمها وعادت بها الى البيت فما كاد يمضي اليومان الأولان من دخولها حتى عادت الطفلة الى ما كانت عليه سابقاً .
من هي أم فطينة ؟ - امرأة في العقد الثالث من عمرها ، نحيلة الجسد ، منحنية الانف ، رقيقة الشفتين ، عصبية المزاج ، سريعة الحركات . وكان زوجها ذلك الشخص المعروف بطول الأناة ، وصلابة الرأي ، الممزوج بشيء من السذاجة وحب السيطرة . وكان قلما يغدو الى حانوته ولا تودعه ام فطينة بالصراخ والتأنيب والانتقاد على قصر باعه في
التجارة وقلة كسبه ، او تستقبله في المساء بوجه مقلوب موبخة اياه لتأخره . هكذا كانت حياتهما وجوماً وعبوساً وصراخاً واضطرابات .
في هذا الجو نشأت فطينة باعراضها وتصرفاتها الشاذة . وما كان اعظم فوز الدكتور فهمي عندما اتجه في دراسة اعراض فطينة هذه واكتشف هذه الحقيقة ، حقيقة تأثير حياة الوالدين على نفسية الاطفال وانعكاس حياتها على صفحة الطفولة البيضاء الناصعة .
فاذا ما جئنا نحلل فطينة والبيئة التي تعيش فيها نرى ان الطفلة كانت بحاجة ماسة الى والدين تسود علاقتهما الوئام والمحبة والانسجام في الشعور والعواطف وهكذا يصبح بوسعهما اشباع حاجات اطفالهم النفسية واعطاؤها المحبة والحنو الحاجة الاولى .
الطعام هو سلاح قوي بين ايدي الاطفال يظهرون بواسطته عدم الرضى ، وكثيراً ما تكون تصرفاتهم الشاذة ازاء الأكل برهاناً لعدم سرورهم واطمئنانهم في البيئة التي يعيشون فيها لذلك كانت فطينة ترفض الأكل لأنها تريد في عقلها الباطن ان تتخلص من هذه الحياة المليئة بالاختبارات والمشاهد المؤلمة والمؤثرة فتتقيأ لانه ، في نظرها ، يوجد علاقة متينة بين الأكل والبيئة التي تعيش فيها وهكذا تتخلص من الحياة .
وبهذا المعنى قال الدكتوران انكليش وبيرسن بان كثيراً من مشاكل تغذية الاطفال ما له علاقة مباشرة او
غير مباشرة بالاضطرابات النفسية التي تقاسيها الأم وفي طريقة غير معروفة تتصل بالطفل لأن الطفل يحس ويشعر بطريقة عميقة جداً الجو الذي يعيش فيه وشعور والديه ازاءه وان كانت ثمة اضطرابات تسود حياة الزوجين .
