


فكلمة «باخ» في بعض البلدان الألمانية التي عرفت هؤلاء، اصبحت تعني موسيقى، ولكن حين تقول نحن «باخ» نعني «جوهان سيباستيان باخ»، مثال العبقرية والنبوغ الفني!
قال فيه «بيتهوفن»: «هذا ليس ساقية، بل هو بحر».
وردّد بعده «شومان»: «الموسيقى مدينة لباخ، كما تدين المسيحية للمسيح» وملأ الفنان «موزارت» بالمرح، وصدر «واغنر» بالتقدير والاحترام.
توفي «باخ» الجسد في الثامن والعشرين من تموز عام ١٧٥٠، ولكنه لليوم سيّد الموسيقى، المسيطر على سيرها. سمّوه ابا الانسجام الفني، ونحن نعرفه بأبي الموسيقى، وخّالاق الالحان من امرحها الى اعقها وأحزنها؛ وهو في فنه مبدع خالد العظمة، متلوّن الانغام، لا حد لمتنوعات موسيقاه، وبالرغم من صبغته الخاصة، فان كل من يفهمه ويسمعه يحس تلك الصلة الروحية التي تربط به الجميع.
وقّع ألحانه في المعابد وامام الملوك والامراء، وعمل منذ نعومة اظفاره حتى وفاته جاداً كادحاً ليحصل على قليل من الاكتفاء المادي وبعض الشهرة؛ وقضى اعوامه الخمس والستين في «إيزيناخ» مقر ولادته وحولها، في ريف عرف «مارتن لوثر» واصبح مقر الاوبرا التي ألفها «واغنر» فيما بعد.
عاش «باخ» حياة بسيطة ورعة، وكان فنه الذي اصبح منبع الموسيقى في يومنا هذا، وسيلة لارتزاقه وتحصيل قوت اسرته الكبيرة، فقد انجب من امرأتين عشرين
ولداً، مات منهم عشرة في طور الطفولة، وقد جمع بين اخلاص الزوج وتقاني الاب وتضحيته.
قذف الى معترك الحياة صغيراً بعد موت والديه، فتسلمه اخوه في العاشرة من عمره، واخذ على نفسه امر تثقيفه الموسيقي، كما منعه من تذوق مؤلفات الفنانين المعروفين علماً منه بانها ارفع من مستواه؛ ولكن باخ الصغير كان يغافل أخاه وينسخها تحت نور القمر، واستمر في ذلك ستة اشهر. انها قصة، وشاهد على قوة استيعاب الفنان للعمل، ثم حب استطلاعه وجهده الذي صار اساس عبقريته.
تابع نسخ موسيقى المؤلفين في سائر البلاد والاجيال، فتشرب هذه المذاهب وصهرها في اتونه الخاص، ثم اخرج منها لوناً من الفن رائع الجدة والابداع.
واهلته موهبته الصوتية لتثقيف مدرسة دينية فنياً، ثم لما ضعف الصوت استعاض عنه بالتوقيع على الكمان، وبرز بهذا العزف فحصل على شهرة ساعدته على كسب عيشه فترة. ولما بلغ الثامنة عشرة من العمر اخذ على نفسه تمرين الجوقة في كنيسة «أرنستادت» وكان من عادته ان يسير اياماً، خاوي البطن، ليصل الى كنائس مختلفة حيث
