
لو استفتي الاخصائيون في اختيار اعظم اسم بين الفلاسفة الاحياء لما كان مجال للريبة في النتيجة . فبعضهم يصوت بغير اكتراث طبعاً ، ولكن الاكثرية تختار اسم برتراند رسّل . فقد نال ، كفيلسوف ، في مجال التقدير كل شرف واكرام بما في ذلك وسام الاستحقاق وجائزة نوبل ( كما يذكّرنا في كتابه الجديد « المجتمع الانساني في علم الاخلاق والسياسة » ) رغم استثناء كتابه من مدارس نيويورك التي رفضت تدريس الكتاب بحجة عدم ملاءمته .
ولهذا الكتاب فائدة خاصة اذ هو اول تبسيط لارائه الاخيرة حول علم الاخلاق ، مدة نصف قرن تقريباً ، يوم كان رسل متأثراً بزميله ج . إ . مور من جامعة كمبردج كتب مقالاً في علم الاخلاق بين فيها وضعه كما يلي : ان ما يجعل عملاً ما ، بغض النظر عن أي اعتبار شخصي ، خطأ او صواباً هو نتائجه ، النتائج النهائية التي هي في ذاتها صالحة او طالحة . واما ما هو صالح او طالح فلا احد يستطيع التفسير ، انما هذه اسماء صفات نعرفها جيداً ، ونرى جلياً انها تتعلق ببعض الاشياء دون الاخرى . غير ان هذه الصفات ذاتها من البساطة بمكان لا تحتاج معه الى تحليل او تحديد .
ففي علم الاخلاق كما في اكثر حقول المعرفة تقدم عقل رسل كثيراً في مدى
النصف القرن الاخير . فهو لا يزال يعتقد ان ما يجعل عملاً ما صواباً هو صلاح نتائجه ، وبالتالي ان الفكرة المفتاح لعلم الاخلاق ليست فكرة « الصواب » بل « الصلاح » . انما هنالك تبدل على جانب

من الاهمية عظيم . خمسين سنة خلت كان رسل يعتقد انه عندما ندعو شيئاً ما « صالحاً » ، كان مفهومنا لذلك يتردد بين الخطأ والصواب . واما الان فهو يعتقد اننا لا نصف ذلك الشيء البتة وانما نبدي اعجابنا به ، معبرين عن اشتياقنا اليه واكتفائنا به . والاعجاب ذاته ليس خطأ ولا صواباً .
وبعد ، ان الدعوة الى المنطق الذي يقف رسل بجانبه مدافعاً ومقنعاً ، دعوة محدودة جداً في مداها . فالمنطق يستخدم لفض النزاع حول الوسائل وليس حول الغايات . مثلاً لو اتفق اثنان على ان
العقل المثقف جدير بكل انسان ، ومن اجل ذلك باستطاعتها البحث منطقياً باجدى سبل التثقيف واكثرها فعالية للوصول الى تلك الغاية ، ويمكن ان يقنع احدهما الاخر بالبرهان القاطع . ولكن اذا اختلفا حول الغاية نفسها فليست هنالك اية حجة قيمة او برهان قاطع يستطيع احدهما اثباته اذ انها لا يتناقشان حول بحث متناقض حتى ولا احد منهم يقدم بحثاً على الاطلاق ؛ انها فقط يصبوان لأشياء متباينة ليس الا .
اضف الى ذلك ان لا شيء هو حقيقة موضوعي بالمعنى المفترض للصلاح الموضوعي سوى الرغبات المتجانسة عند مختلف الناس . ولو صح ذلك فهل القواعد الاخلاقية ممكنة بعد ؟ نعم ولو بمعنى جد مقيد . وبما ان اكثرنا يرغب ، لحسن الحظ ، نفس النوع من الاشياء ، توجد اراء عامة يمكن وضعها والاخذ بها كأفضل الوسائل للوصول اليها .
ويجهد رسل نفسه كثيراً ليجد مكاناً للواجب في نظامه ، وهو يقترح انه « ينبغي » ان نفعل الفعل الذي يؤول ، عن طريق نتائجه ، لاشباع اكبر واوسع مدى من الرغبات الانسانية . ومن الواضح انه هو نفسه كمواطن يحب الخير للجميع ، والابن الروحي لجان ستيوارت مل ، يأخذ بذلك قانوناً دقيقاً له ازاء الواجب .
ولكن لماذا ينبغي لاي امرء اخر ان يفعل فعله ؟ فهو ان مسلكاً كهذا هو صواب له وحده ، لانه اطمأن الى نتائجه . لكن ماذا لو انه لم يطمئن اليها ، كما هو الحال مع الكثيرين من الناس ؟ اليس من واجبه ان يراعي مصالح الاخرين ؟