
المشاكل الرئيسية في التعليم عندنا ما تزال في اسوأ حالات الاهمال ومعلمو المدارس الخاصة يرسلون النداء تلو النداء دون ان يلقوا اذاناً صاغية . الى هذه المشاكل الرئيسية يجب ان نوجه الانتباه ، قبل الاهتمام بالتفريق بين منهجي البنات والصبيان .
اذا سلمنا بأن التوجيه المهني يجب ان يراعي ميل الولد - كما يقول الدكتور كمال الحاج في ردّه على مقالي - لا بدّ من الاعتراف بأن ميل الولد يخضع في الدرجة الاولى لتأثير البيئة التي يعيش فيها وان البيئة اشد تأثيراً في توجيهه من الوراثة . ألا نجد لهذا السبب عينه ان سكان بعض البيئات يتميزون بالكسل بينما غيرهم يمتازون بالنشاط . وان الميول الفنية غالباً ما تنمو وتزدهر في بيئة فن وتموت وتندثر في غيرها . ألا نلاحظ ان اقبال الناس على بعض الاعمال والمهن ينمو ويزداد بنسبة الحاجة اليها وينقص او يتلاشى حين لا تلاقي رواجاً في مجتمعهم ؟
هذه الحقيقة تنطبق على تربية البنات في بلادنا وفي غيرها .
ففي البيئات الكادحة تربّى البنت على الكد وتوجّه نحو العمل المرهق ، عازبة ومتزوجة ، فهي تعمل في البيت وخارجه ، في الحقل وفي المصنع ، وتقوم بعملها المزدوج من غير تذمّر ، لانها رُبّيت على الصبر والخنوع وفي بيئات اخرى تشجّع البنت على التراخي والاتكالية . تحرّض على السعي لاقتناص الزوج الغني الذي يوفر عليها مشقة العمل في البيت وخارج البيت وقد تتفرغ لهذه المهمة وتقصر عليها نشاطها . بينما نجد الاهل في غير هذه البيئات يفعلون العكس فيمهدون للفتاة سبيل الاعتماد على النفس بدرس مهنة تناسبها ويحبّبون اليها العمل قبل الزواج وبعده لأنهم يرون هذا المبدأ اضمن لمستقبلها .
اذا التفتنا الى الغرب ، رغبة في توسيع نظرتنا ، وجدنا ان الاميركيين يعتمدون هذا المبدأ الاخير عينه في تربية بناتهم . وقد زعم بعضهم ان ليس هناك فتاة اميركية لا تحلم بالزواج ولا تسعى وراء الزوج . لأن فكرة الدير والترهّب لا تلاقي عندهم شيئاً من التحبيذ او الالتفات الذي تلاقيه في بعض اوساط العالم القديم . ومع هذا يرى الاميركيون ضرورة توجيه البنت نحو المهنة ، نحو العمل ، لأنه يقيها شر التطفل ولأنهم يعتقدون ان المرأة التي لا توجّه نحو العمل المستقل لا يمكن ان تكون ربة بيت صالحة للنهوض بمسؤولياتها .
وليس كالاميركيين شعب يتم بما يسمونه العلوم الاجتماعية الحديثة وما يتفرع عنها من علوم صحية وعلاقات عائلية وفنون منزلية وهلم جرا - لقد بلغ اهتمامهم بهذه المواضيع ان فسحوا لها مجالاً في الجامعات وشجعوا تعليمها للرجال ومنحوا دارسيها الشهادات الجامعية ، بخلاف الاوروبيين الذين يقصرون الاهتمام بها على المدارس الثانوية حيث تلقن في مدارس البنات بصورة اضافية .
لكن الاختصاص في تدبير المنزل لا يُحسَب عند الاميركيين الا واحداً من المهن التي تهيء المرأة للعمل والارتزاق . فالمتخصصة في تدبير المنزل نجد لاستغلال اختصاصها شتى الفرص من تعليم هذا الفن في المدارس الى الاستخدام في المحلات الصناعية حيث ترشد الزبائن الى اجود الاقمشة والاطعمة ، الى تأثيث البيوت وتزيينها ، او تربية الاطفال ، او تحضير لوائح الاطعمة في المستشفيات والفنادق .
ان تعليم الفتاة العصرية في بيئة متطورة يجب ان يخضع لمبدأ رئيسي هو تربيتها الانسانية اي اعدادها لتكون انساناً قبل ان تكون زوجة ، للاتكال على نفسها في العيش قبل الاتكال على الرجل . ومن البديهي ان اعداد المرأة للزواج والامومة يستتبع اعداد الرجل للزواج والابوة . فلا يجوز ان يبقى الرجل في جهله المطبق لدوره في الاسرة ازاء زوجة واعية مطلعة على الموضوع .
وكما ان اعداد الرجل على هذه الصورة لا يمنعه من ممارسة شتى المهن والاعمال ، كذلك لا يجوز للتربية المنزلية ان تمنع الفتاة - كل فتاة - من اعداد ذاتها للعمل ومن التسلح بمهنة تهيئها للمساهمة في العمل البنائي المركّز . ولا يجوز ان نلقي في روح الفتاة ان زواجها ورعايتها للاولاد يستطيعان ان يملآ حياتها ، بينما الوقائع تناقض هذا القول .
ان منهج البكالوريا لا يمكن ان يكون الا واحداً للبنين والبنات . لأن الشهادة التي تُعِد الطلاب والطالبات لدخول الجامعة لا تكون الا واحدة .
٤