

اترك من رواد المساجد في يوم الجمعة، تختلف اليها لاداء الصلاة الجامعة؟
ها انت ذا قد فرغت من الصلاة، فتأبطت حذاءك، متهيئاً للخروج، ومثلت بالباب تعالج انتعال الحذاء، والجمع الدافق حولك يدعوك الى الاسراع.
ألم تحس مرة وانت في هذا الموقف بشيء يأخذ برجلك، يحاول ان يعينك في عملك، وهو مكب بطرف ثوبه المهلهل على الحذاء يميط عنه الغبار، ولسانه يلهج بدعاء فيه ضراعة وتشفع واسترحام؟
لا عليك ان تعنى نفسك بتفقد هذا الشيء الجاثم عند قدميك، فهو معهود لديك، ليس بالغريب عنك، ولا حيلة لك في امره الا ان تلقى اليه بقطعة من النقود، وانت تهمهم:
فتقبل المرأة منحتك في بشاشة، ولا تلبث ان ترفع يديها الى السماء تستمطرها خيراً لك، وبركة عليك، ثم تنحرف عنك الى غيرك، محنية الهامة، قيمة القامة، تأخذ بطرف ثوبها المهلهل الى وجهها تمسحه، ثم تخص به انفها تتمخط.
«ام سحلول»... وهل يجهلها من اهل المساجد احد؟
انها هي منذ خمسة وعشرين عاماً، تدرج ذليلة المشية، مهزولة البنية، في اسمال زرق!
لا تراها ابداً الا مخفوضة الرأس، كأنها تقتفي مواطىء الاقدام، أو كأن بعينها داء لا تستطيع معه ان تواجه الاضواء فهي تتحاشاها بالاطراق.
لا تسمع منها ابداً الا تلك النغمة الراهنة المستضعفة، وهي منكفئة على نعال المصلين، تستعطف قلوبهم حين تقول:
- ارحموا أماً تكفل طفلها اليتيم... ارحموها يرحمكم الله!
عرف الناس «ام سحلول» بهذه الميزات الخاصة، واكثر من ضاقوا بها ذرعاً هم اولئك السائلون الذين وجدوا فيها منافساً خطيراً يزاحمهم على الكسب الميسور، فكانوا يناوئونها بمختلف الوان المناوأة، يتعمدونها بالضرب الوجيع، ويغتصبون
منها ما جمعت من عطايا ومنح، ويصدونها عن السبيل كلما أقبلت على السبيل.
بيد ان المرأة صابرت ورابطت، واحتملت ما تلقى من عنت واضطهاد، وظلت تنتقل على ابواب المساجد، تتصيد من يصدر عنها من المصلين، تعينهم على انتعال الاحذية واماطة الغبار عنها، كأنها تهم بتقبيلها تذللاً ومسكنة.
وكانت «ام سحلول» تعجب من اولئك الذين يفسحون صدورهم للسائلين دونها، اذ يفوتها ان الاستجداء يجب ان يحاط بمظهر براق، حتى يبلغ من النفوس مبلغ الاشفاق فلا بد ان يكون صوت الضراعة على ضعفه جهيراً يهز المسامع، ولا بد ان يكون للمستجدي من الضمادات والحرق والعكازات ما يسترعي الانظار..
وهذه المرأة المسكينة لا تتمتع بشيء من تلك المؤثرات جميعاً، فلا جراح دامية، ولا قدم متورمة، ولا عمامة خضراء تناطح الجوزاء، وليس لها ذلك الصوت
الابح المتسلخ يتعالى به حلق صاحبه كأنه ثور ذبيح يسلم الروح.
لقد عجزت «ام سحلول» عن ان تكون من طائفة المتسولين العتاة، فما هي بشحاذة توافرت لها ادوات ذلك الفن الاصيل.. هي آدمية اختارت لها الاقدار ذلك الحظ من التشريد، وهي تكافح وتنافح لكي تكفل طفلها الوحيد...