انها الى جو الاساطير اقرب منها
الى الواقع !!
لاقيتها اليوم ، عند ملتقى الجدول
الرقراق بارض ابيها . كانت وجنتاها
اشد احمراراً من خدود التفاح ، وعيناها
اكثر بريقاً من الماء تحت اشعة الشمس ،
على شفتيها اعذب ابتسامة في الوجود .
جلست بقربها وقلت لها :
— حبيبتي الصغيرة الحلوة ، متى تأتين
معي الى بيتي البعيد فوق الرابية ،
فتملئينه مرحاً وحبوراً ؟
وكسا الحزن نظرتها الصافية ،
واجابت :
— اتمنى ذلك ، ولكني اخاف ،
ستتركني وحدي كل صباح وتقود
قطعانك الى المراعي .
حلوتي الصغيرة تحب الحرية وتخشى
الوحدة .
قلت لها :
— اتظنينني بهذه القسوة ؟ يا حبيبتي ،
ستستيقظين معي كل فجر على ثغاء
الخراف الجائعة ، فتحضرين الزاد ،
وترافقيني الى المروج الخصبة والغابات
الخضراء . ستجرين في الحقول الواسعة ،
وتقفزين فوق الصخور العالية .
— ولكني اخاف وخز الشوك
وحدة الاحجار .
— ان الشوك ليفسح لك طريقاً
مبتعداً عن قدميك ، والصخور تخفي
حدتها بالاعشاب حين تمرين . وستلاعبك
فراشات الحقل الزاهية ، وتهبك ازاهير
الربيع احلى ألوانها وتتسابق الطيور
في الشدو لتحوز اعجابك .
وحين نصل الى مرعانا الخصيب ،
اترك القطيع الى كلبي الامين ، واعزف
لك على مزماري لحن حبي وسعادتي .
وحينذاك ستصمت البلابل وتنصت
بشغف الى احلى نغم في الدنيا .
— قد يقبل الذئب يبغي الحملان ؟
— الذئب ؟ انه لينسى جوعه
ووحشيته أمام عذوبة ابتسامتك ورقة
نظرتك ، فيربض امام قدميك ويكون
الحارس الوفي . ويذهب الثعلب عن
خبثه ومكره حين يرى طهارة روحك
وصفاء نفسك ، فيؤاخي الطيور ليكون
على مقربة منك .
وقالت حبيبتي الحلوة وقد اعجبها
حديثي :
— وماذا ستفعل ايضاً ؟
— وحين يقبل المساء ، سأمسك
بيدك لئلا تخافي الظلام ، ونعود الى
كوخنا الصغير ، فيضمنا اليه في شوق
ولهفة كما يفتح البحر الكبير ذراعيه
ليستقبل الشمس الغاربة .
— قد اتعب في العودة ، والرابية
بعيدة ؟
— حينذاك أحملك بين يديّ القويتين
فتنسين عناءك وتغفين على كتفي .
واسير على مهل ، وانفاسك الهادئة تتردد
بانتظام كأنفاس طفل هدّه التعب ،
وابتسامتك الحلوة الحالمة تقودني مغمض
العينين الى البيت .
— وحين يقبل الشتاء حاملاً معه
البرد والثلج ؟
— حينذاك سينقلب لون المرامي
من الاخضر الى الابيض ، وترتدي
الغابات حللها الناصعة . وتسرعين الى
النافذة بالبرد يا حبيبتي الصغيرة ؛ سأقطع
الغابات كلها لاشعلها لك ، وانسج من
صوف خرافي الوديعة اثوابا تدفع عنك
الصقيع ، وأضمك الى صدري العريض
يدفئك بحرارة حبه .
ولن تملّ الايام الخالية ، ولا الليالي
الطويلة ، لاني سأحكي لك اساطير
الجبل ، وقصص الرعيان ، فتصغين
باهتمام ، ضاحكة من الاوهام ، حانية
على العشاق ، دامعة من المآسي ، حتى
يرخي النعاس جفنيك فتتوسدين ذراعي
لتحلمي بما قصصته عليك .
— وكيف ينقضي الشتاء ؟
— سننتظر معاً الرياح الدافئة ،
فنطل من النافذة نرقب ذوبان الثلوج
رويداً رويداً . وستفتحين الباب بفرح
عند رؤية زهرة صغيرة تمد رأسها بحياء
وجرأة معاً فوق طبقة الثلج الرقيقة .
وسنقطف هذه الزهرة الاولى كل ربيع
ونحفظها بعناية فيزهر حبنا طوال السنة
الجديدة .
يا لسعادتي ! ان حبيبتي الصغيرة
الحلوة ستأتي هذا المساء الى بيتي .
وغداً ، منذ الفجر ، تبدأ حياتنا المشتركة
الزاهية .

١٢
