

قصتي قصتان: واحدة سبكها الواقع وأخرى حبكها الخيال. ومن البديهي أن تصنف الحقيقة حوادثها كما لو كانت خيالية، كما تتنكر الوهمية بزي الواقع. أما هذه المقارنة المتعاكسة فقد حملتني إليها بنيتي في يوم ميلادها السادس، يوم كنت أراقبها وهي تخطو مزهوة بحلتها الجديدة، وردية الوجنتين مع رفاقها الصغار بينما كانوا يصطفون حول المائدة الشهية؛ فينشدون لها النشيد المعروف، والبطلة في أثنائه تستجمع أنفاسها لتبعثها نفخة واحدة تقضي على لهب الشمعات الست التي تزدان بها طرفة الحلوى الندية في الوسط. ثم يعلو التصفيق، ويعم بعده السكوت فجأة حيث انبرت الأفواه الصغيرة المضغ؛ وحتى هذا سرعان ما يلهو عنه الصغار ويشغلهم شاغل الألعاب الجديدة: وإذا الأطايب والحلوى فتات؛ وإذا هم حول الهدايا المكدسة يرغبون فضها بأعين براقة؛ ولما كانت هذه المهمة مقتصرة على صاحبة العيد، احتشد الكل حولها

يعاينها تهتف لدمية، أهدتها إحدى صديقاتي، لم يسبق أن حازت مثلها! ولكن مع كل مشتهاها لها، لم ينسها فرحها إبداء رأيها فيها، بعد أن أعربت عن شكرها للصديقة «الكبيرة»، بأنها جد آسفة لمغايرة لون ثوب الدمية للون حلتها الوردية التي أعدت لهذه المناسبة!
ولما حاولت اعتراضها كي أخفي خجلي من ملاحظة لا تخلو من نزوة

طائشة لم أدر كيف سبقتني إليها الصديقة الكبيرة، وقد شاقتها الدعابة، ووعدتها أن تبدل الدمية بغيرها ذات رداء وردي؛ لم أجد مهرباً من التسليم لتفوقه، ولو مؤقتاً، صيانة لجو المرح السائد، ولربما امتد سكوتي لآخر ما هنالك، عملاً بما تقتضي التربية الحديثة التي تقدس وعد الطفل، وترى في صراحة تعبيره، كما رأت الصديقة المتفانية، ظاهرة حساسة فنية؛ جرّم غلّها! وأبعد من ذلك، هي دالية تحجب الكلفة التي تفرضها السنوات بين عمرها، ألا يتمنى كل «صغير» لو كان كبيراً؟

ولا يشتاق كل «كبير» إلى حين كان «صغيراً»؟؟؟
وسبحت في أحلام طفولتي واستوقفتني عند حادث كنت أود لو تزيا بالثوب الوردي المنشود وخلعت عليه الذكريات حلتها القشيبة الزهراء! ذلك لأنه تفرد بشكل تجربة قاسية، امتحنتني بها مهديتي، دون علمها، امتحاناً مراً... حملني إلى انطباعات: تتحدى الواقع بجلالها، وتطغي على الحس بمضائها، منحوتة في الوجدان، راسخة الكيان، لا يقوى عليها طمس أو نسيان!
إلى أن تتعدى أشواط طفولتي الغابرة، طفولة ابنتي الحاضرة؛ وتريني نفسي، ولي من العمر ما يقارب عمرها، أثناء زورة مع أهلي لسيدة نبيلة جليلة. ورأت هذه الشيخة المسنة أن تتقرب مني بغية تسليتي عن أمي التي كنت ملازمة لها، في هذا الجو الغريب، ملازمة الظل؛ كما يفعل الأولاد الجبناء. فاجتذبتني برفق، مجتازة بي البهو الكبير، تزخر أطرافه المترامية بشتى التحف والنوادر - منها خزانة هوايتها وقد رصفت رفارفها بما جادت به يد الصانع الماهر من دمى أنيقة تلونت ملابسها أساليب وأنواعاً؛ وتباينت فيها الأجناس سحناً وفروعاً.
