قبل ايام عزمت على زيارة صديقة في برمانا فمضيت الى الكاراج اسأل عن سيارة تحملني الى هناك .
ورآني السائق اقترب فقال .. مدموزيل دقيقة واحدة ونسير .. وتطلعت فوجدت السيارة فارغة وكنت اكره ان انتظر حتى يرزق الله السائق اربعة مسافرين غيري ..
( مدموزيل دقيقة واحدة .. لدي راكبان ينتظران في فرن الشباك . )
وانا لا اكره شيء في الوجود كرهي للانتظار في سيارة ..
ومع ذلك دخلت اذ كرهت ان اخيب رجاء السائق ..
وانتظرت .. دقيقة ، اثنتين .. عشرا .. ثلث ساعة ، ونصف ساعة .. ساعة .. ثم اتى راكبان ..
ونادىت على السائق فقلت ها نحن ثلاثة وهناك راكبا فرن الشباك ..
قال .. ( يلا دقيقة مدموزيل .. )
وخلا'نا ننتظر حتى انتهى من حديثه مع السمسار ..
وسارت السيارة الى فرن الشباك اولاً لتسأل عن الراكبين .. ولم يكن السائق يعرف مكان البيت بل كانت في يده ورقة كتب عليها العنوان ..
ووقفنا في نقطة معينة وراح السائق يسأل البقال والحلاق والفران عن ذاك الاسم المعين . وبعد لأي اهتدى الى البيت فراح يطلق الزمور .. واقام الدنيا واقعدها قبل ان تطل سيدة صاخبة للزينة في منتصف العمر ، فسألت : ( هل انت مبعوث كاراج برمانا ؟ .. ) قال نعم .. وكان لا بد ان تودع اهل البيت بقبلات كثيرة قبل ان تنزل .. اخيراً وصلت فسألها السائق اين الراكب الثاني فقالت ..
- انها اختي .. وهي الان في زيارة اصدقاء لنا على الطريق وسنمر بها فنحملها .
وسب الراكبان اللذان بجواري الدين ..
اما السائق فقد كاد يسب المرأة نفسها .
وسارت السيارة ثانية تبحث عن المكان، والمرأة الملونة تقول : انعطف يميناً .. يساراً .. يميناً .. على الكوع .. ووصلنا .. ولكن ( اختها ) التي هي الراكبة الثانية وهي ايضاً في شرخ الشيخوخة لم تسمع الصوت الا بعد ان اقلق الزمور ونداءات اختها صمت الحي ..
ومشينا الى برمانا وقد نفذ رصيدي من الصبر ..
وسألت السائق هل من عادة الشركة ان تمر فتحمل الركاب من بيوتهم ..
- قال : احيانا .. يفعلونها بقصد الدعاية الطيبة للشركة وتسهيلاً للمسافرين ..
فضحكت . اذا كانت الشركة قد كسبت راكبتين فقد خسرت ثلاثة ركاب .. وعبثت باعصابهم عبثاً شنيعاً .. وقامت لنفسها باسوا دعاية ..
وبعد ، اليست هذه صورة طبق الاصل للعقلية التي نفكر فيها ؟ ..
فجأة وانا عاكفة على هذه الشطحات انطفأ النور الكهربائي . وساد الظلام بيتنا وبيوت الحي .. واطبقت عيني وانا افكر في هذه الكهرباء التي تشل حياة البيوت حين يحلو لتيارها ان ينقطع فجأة وبلا مقدمات فلا اضاءة ولا راديو ولا ثلاجة ولا غسالة ولا مكواة ولا ولا ...
وفكرت كيف كان اجدادنا يستضيئون بالفتيل المغموس بزيت الزيتون ثم يقيمون حوله ليالي سمر تطول .. وتساءلت اية حياة كانوا يحيونها قبل ان يعرفوا هذه الكهرباء ويعرفوا معها الراديو والغسالة والثلاجة والمكواة والفرن والى آخر ما هنالك

