لا شك أن القسط الأكبر من تكريم أهل الأدب يقع على عاتق التاريخ، ولا شك أيضاً أن الخلود هو عطاء من عطائه، وحكم من أحكامه، ولكنه، ومع خضوعنا لحقيقة هذا الواقع ومنطقه، لا يجوز لنا أن نكتفي بحكم التاريخ وحده مكافأة للنخبة المعطاءة عندنا، ولا يجوز لنا أن نعب دون فطام من منابع هؤلاء الأدباء والأديبات دون لفتة شكر، وتقدير متزن، اعترافاً بالجميل ووفاء للعهد.
لقد اعتاد أكثرنا أن يكرم أدباءه بعد مماتهم، وكأن موتهم وحده هو الذي يذكرنا بهم، فنسعى لتكريمهم بإحياء حفلة تذكارية يقيم أودها عدد الخطباء، لا يلبث أن يغور صداها ويتشتت مهما كان قوياً ثاقباً، عند انفراط عقد الحاضرين.
هيئة تكريم الأديبات لا تزال حديثة العهد، يرعاها عدد ممن بينهم وبين الأدب عامة، والأدب النسائي خاصة، صلة محبة وتفاهم، وتقدير، وفي سبيل هذا الأدب تكاتفت نفوسهم وتفاهمت أفكارهم وأجمعت آراؤهم وكلمتهم.
ومن أولى أعمال هذه الهيئة التي تضم بين أعضائها الأدباء والمفكرين والمصلحين الاجتماعيين دعوة لسماع محاضرة عن أدب سلمى صائغ، تلك التي أعدها الأستاذ أدوار حنين وألقاها في قاعة المحاضرات التابعة لوزارة التربية الوطنية السابع من حزيران المنصرم والتي حضرها نخبة مختارة من المواطنين. لقد تحدث الأستاذ حنين عن نشأة سلمى وفتوتها الطموحة، وأمومتها المتدفقة، ثم انتقل إلى الكلام عن شخصية سلمى الأديبة تلك التي امتازت بالحيوية والرقة والإخلاص كما لمسها في ما كتبته وقالته على المنابر هنا وهناك.
وأدب سلمى كما وصفه الأستاذ حنين أدب المقال يقرأه ويتذوقه الجميع، ويمتاز أسلوبه بالرشاقة والأناقة، فهو نسيج
نفسها ووليد طابعها الخاص، وسوف تنشر هيئة تكريم الأديبات كتيباً عن سلمى يكون بمثابة مرجع من المراجع العلمية الأدبية عنها، كاتبة وأديبة.
أما الجامعة اللبنانية فقد أنشأت، تضامناً مع الهيئة، مقعداً دراسياً يُعطى سنوياً للطالبة المتفوقة في الأدب العربي ويحمل اسم سلمى صائغ فيشجع بذلك الطالبات على دراسة أدبنا العربي ويخلد اسم أديبتنا في جو أدبي علمي عاشت هي في كنفه حتى آخر أيام حياتها.
والجامعة اللبنانية سوف تؤسس إلى جانب ذلك منبراً دائماً للأدب النسائي تلقى فيه المحاضرات التي ستكون بمثابة دروس أدبية تفيد الجمهور وتشجع الأديبات على الإنتاج المتواصل. من قال أن أديباتنا لا يتعطشن إلى التشجيع كل التشجيع؟ ورب لفتة تشجيع تصنع العجائب. فالأديبة، مهما شب في نفسها دافع الكتابة والإنتاج فإنها تحاول دوماً أن تتقرب إلى نفسية القراء، وغرضها أن تهذب تلك النفسية وتوجهها، وكثيراً ما ترفه عنها وتسترضيها بلباقة وظرف وتفهم هذا مع العلم أنها في كثير من الأحيان تكتب لتشجيع رغبة في نفسها: وفي كلتا الحالتين يكون فيما تكتب دعوة ملموسة مباشرة أو غير مباشرة للقارئ، كي يستجيب نداءاتها، ويتذوق فنها.
لن تقف أعمال هيئتنا عند هذا الحد إذ أنها سوف تنظم مباريات إنشائية وخطابية تُطلق على الأولى اسم مي، وعلى الثانية اسم جوليا دمشقية، مباريات بين طالبات المعاهد الثانوية المختلفة، لتستحث مواهب التلميذات وتوقظ في نفوسهن ميلاً إلى الإنتاج الأدبي وإلى الأدب العربي، وتكافيء من تستحق المكافأة. إذ يجدر بالأديبة الناشئة، أن تكون ابنة مدللة، ولو في بيئتها. وسوف تسعى جهدها لتمد يد المساعدة، كل المساعدة للأديبة التي تحتاج إليها، وتستجيب لندائها وتدافع عن حقوقها إذا اقتضى الأمر، إذ أن رسالة هيئة تكريم الأديبات هي تعزيز الأدب النسائي وتكريم عمدته أحياءً كانوا أم أمواتاً، تكريماً إيجابياً. من ينكر وجود أقلام فذة، لو أزيلت من أمامها بعض العقبات لأعطت وأبدعت. إن الأيادي التي تعطي مهما كانت عظيمة وكريمة فإنها ولا شك تشتاق إلى من يزها هزة الشكر والإعجاب ومن أولى منا نحن جمهور المثقفين المتأدبين، للقيام بهذه المهمة، ومن أولى من النخبة تكريم النخبة؟؟

