« أنني جد واثق يا « مستر هالوارد » بانك ان ارسلت هذه اللوحة الفنية الزيتية ، الى الاكاديمية او الى اي مكان شئت فانك ستربح مكافأة مالية كبيرة ، اراك في اشد الحاجة اليها » .
- ولكنني لا اسطيع عرضها يا « مستر هنري » لانني اخاف ؛ اخاف من ان يراها الناس كما اراها انا بعيني هاتين . ان في هذه الصورة كثيراً من نفسي . اني قد وضعت فيها ما يعتمل في صدري من احاسيس سامية ، وشعور علوي ، فازدادت جمالاً فوق جمال » . وبهت مستر هنري عندما سمع الكلمات الاخيرة من رفيقه ومحدثه الرسام هالوارد ، وتطلع مبتسماً ينقل عينيه بين اللوحة والرسام ، انه يرى فرقاً شاسعاً بين تلك الملائكة البريئة ، الجميلة ، وبين ذلك القوي الكبير البشع . واردف بقوله ، « حقاً ايها السيد . اني لا انكر عليك ملامح الذكاء والفطنة ؛ لا انكر عليك نفسك الحكيمة وعقلك المفكر . ولكن الا ترى معي ان هناك فرقاً شاسعاً بينك وبين تلك اللوحة التي كأنها صنعت من العاج ، وتوجت بالورد الاحمر فظهرت وكأنها أدونيس » في أبان جماله وعنفوانه ؟ ؟ فرد عليه الرسام ساخراً : « اني ارى ما تراه . ولكن الا تعلم ان الجمال الحقيقي يتلاشى ويتراجع عندما تظهر اول لمحة من ملامح التفكير العقلي ؟ ان النباهة ان فقدت فسد الوجه الجميل . ان ذلك الرفيق الذي همت بصورته ليس الا صورة جميلة لانسان لا يفكر ولا يستعمل قواه العقلية . ان هذه اللوحة التي همت بها ليست بنظري الا ملامح جميلة فنانة تغنينا في الشتاء عن جمال الزهور وتوحي لنا في الصيف الجمال الخارجي المجرد عن كل حساسية . ان اللوحة التي تلون بشعور المصور وخلجات نفسه ، هي اللوحة الحقيقية التي تخص الفنان لا الجالس اليه ، وذلك الذي جلس الي ليس الا شاباً جميلاً ، حلو النظرات ، واذا ما صورته الآن في لوحتي الفنية هذه ، صورت جمال وجهه ونظراته ، ولم اصور ما يجول في نفسه من احاسيس وشعور ، لأن احاسيسه تفسد جمال اللوحة وتشوه فني
ولذا استعرت نفسي وروحي لأجعلها موطناً لذلك الجسد الجميل الفتان » .
بعد دقائق دخل صاحب اللوحة بجماله الفتان ، وروحه الخفيفة وحركاته الموسيقية ، ولم تمض دقائق حتى جاء « دوريان كراي » يعترض على جمال لوحته التي ستبقى محتفظه بشبابها ونضارتها وفتونها . جاء ليكسر تلك اللوحة التي احب لو تؤثر بها عوامل السنين القادمة دون ان تؤثر في نفسه وشبابه هموم الحياة ومشاكلها . احب ان تكبر تلك الصورة وتنمو فينمو معها شعوره دون ان يكبر هو وتبدو على وجهه آثار السنين والايام . احب ان يضحي بماله ومقامه شرط ان تتغير هي دون ان يتغير جماله هو . احب ان تخسر فتونها دون ان يخسر هو فتوته وعنفوانه .. وقد كان له ما اراد ....
هناك في بيت « دوريان كراي » ، وفي قاعة كبيرة ، وضعت تلك اللوحة الفتانة التي تنعكس على جنباتها آيات الشباب بأسمى معانيه . هناك كانت تحادث صاحبها كل يوم دون ان تخسر او تربح شيئاً منه توالي الايام . ولكن الايام ما فتئت ان غيرت حياة دوريان كراي بتعرفه على فتاة راقصة احب فيها ميلها الى التمثيل وبراعتها في الاداء الى جانب جمالها الأخاذ ... وتلك الفتاة لما عرفته ، تعلقت بحبه ونسيت التمثيل ، ففسد فنها وغار . ولما علمت بان دوريان كراي احبها لفنها وشهرتها اقدمت على قتل نفسها فسجلت جريمتها على نفسه ونقشت دماء حياتها اولى علامات الاجرام على صورة دوريان كراي . واجفل مستر كراي عندما رأى لوحته لأول وهلة وقد ارتسمت حول فمه تجعدات مجرمة كريهة ، واحس بان نظراته تتغير ، فازاح الرسم عن ناظره . ولكن كانت هناك قوة خفية تدفعه الى رؤية اللوحة التي رماها في غرفة قديمة بعد ان لفها بالسجاد والاقمشة .

