قرأت في احد اعداد « صوت المرأة » بشوق وامعان مقال الكاتبة الفاضلة ماجدة عطار بعنوان « مشاهد مخجلة مؤذية حول لغتي »
فجاء معبراً عن بعض ما يعتلج في صدري من إشفاق ورثاء للذين يفخرون بالانتساب الى غير أصلهم ، ويرطنون بلغة ما كانت يوماً لغة آبائهم ولا لسان أجدادهم . وبقيت في القلب أشياء وأشياء أود أن أقولها في هذا المقال المتواضع .
يا سيدتي : ما ذنب بائع الأحذية الأرمني اذا لم يحسن العربية ؟ وما ذنب مديرة المعهد الأجنبي التي رفضت أن تتعلمها ، اذا كان أبناؤها - والضمير للغة - يأنفون النطق بها ويفرون منها فرار السليم من الأجرب ؟
أتصدقينني اذا قلت لك اني عندما جئت بيروت منذ خمس سنوات طالباً للعلم ، كدت أنشقُ غيظاً - كما يقول القدماء - لما رأيت القوم يرطنون بالفرنسية والانكليزية فيما بينهم ، فقلت لصاحبي آنذاك : أين الاستقلال ؟
وبعدها بقليل كتب لي صديق من بغداد يسألني كيف وجدت بيروت ؟ فأجبته والأسى يملأ قلبي : لا أصفها لك بأكثر مما قال المتنبي في بلدة من ديار الأعاجم :
ولكن الفتى العربي فيهاغريب الوجه واليد واللسان
وسكنت حياً من احياء رأس بيروت فكنت كثيراً ما أسمع جارة لي تكلم جارتها بالفرنسية بصوت يصل الى نهاية الشارع . وكنت أرى جاراً آخر يكلم امرأته وأولاده بالانكليزية ، فيعتلج الهم في صدري واعود اسأل نفسي هذه المرة : ترى ، أين الاستقلال ؟
وانني لست من علماء الاجتماع ولا من رجال التربية ، ولا من حراس اللغة ؛ ولكنني أستطيع القول - ولا ادري ان كنت على خطأ او صواب - ان مشكلة اللغة العربية في هذا البلد ليست مشكلة قائمة بذاتها، وانما هي وجه واحد من وجوه
مشكلة كبيرة اضخم واعقد : هي مشكلة جيل بأسره . إنها مشكلة جيل نشأ وربى في مدارس اجنبية لا تعلم العلم خالصاً لوجه الله والحقيقة ؛
لقنته تمجيد كل ما هو غربي وتعظيمه ، وعلمته احتقار كل ما يمت الى العرب بصلة ؛ وأي تراث عند العرب اعظم واكبر من لغتهم وآداب لغتهم ! فأهملت تعليمه لغته او نقّرته من تعلمها، وكرّهت اليه آدابها. فنشأ هذا الجيل وهو يشعر بالنقص لكونه عربياً أو يمت الى العروبة بسبب ، فصار يداري نقصه بأن يقلد الغرب واهماله لغته احدى نواحي هذا التقليد . وما حكاية الوزير اللبناني الذي قدم استقالته بالفرنسية عنا ببعيدة !
قد تسأليني وقد أسألك : الى اين المسير ؟ واين نهاية المطاف ؟ فأقول اننا على حافة الهاوية واذا بقيت الحال على ما هي عليه . وأي حال اسوأ من ان تفقد الامة شخصيتها ومقوماتها ؟
ان العلاج يسير على ما اعتقد ، واذا ما شعر المسؤولون - من رسميين وغيرهم - بالخطر وصدقت نياتهم على استئصاله قبل استفحاله . وهذا العلاج يلخص في جمل قليلة :
تربية قومية صحيحة للاطفال والمراهقين والشباب . مناهج تعليم قومية تلزم بها جميع المدارس الوطنية والاجنبية إلزاماً لا فكاك منه .
تيسير العربية نحواً وصرفاً وادباً وتحبيبها الى الناشئة . تشجيع الفنون ذات الصبغة المحلية كالزجل والغناء والموسيقى ومنتجات الاعمال اليدوية ، ونحو ذلك .
فاذا ما عولج هذا الداء بجزم واخلاص ، نشأ جيل جديد يفخر بعروبته وعربيته لا بفرنسيته وانكليزيته . وعند ذاك يجد الفخر اليك يا سيدتي سبيلاً وأنت تسمعين شباب الامة وشاباتها منطلقة السنتهم بعربية لا شائبة فيها . وارجو ان لا يكون ذلك اليوم ببعيد .
ولك مني ازكى التحيات .

