اتعرفونه ؟ هذا السوق الجميل ، شيخ الاسواق الشرقية ؟ امررتم به يوماً ، فأخذكم وقاره وألح على نفوسكم تهيبه ، فوددتم لو تحذقون من كلام الاجلال شيئاً ، أو تتقنون من مظاهر التقدير فعلاً بسيطاً واحداً : ايماءة رأس ، أو رفع قبعة !
هذا السوق العجيب ، مثوى احلام العرائس وافراح الاطفال وهزة رؤوس المعدمين ، هذا الكمين البهيج لظرف المترفين واناقتهم !
أمشيتم وثيداً في انحائه ، فاندست في مخيلاتكم أشباح منشئيه وسرت اليكم من قدمه طيوب الشرق المنعشة ، تشعل في ارواحكم سراجاً شعرياً مغمساً بمعالم التاريخ !
أاعدتم النظر في اسمه ، فأسدلت حجب جهمة في قلوبكم ، تذكر ذلك العثماني المبطاش ، ذلك « العبد الحميد » !
هوذا عكاظ النساء ، تتبارى في جوانبه سمات الذوق ومواهب الاختيار والانتقاء ، وتتسابق ضمنه أمعية ابراز القسمات وعبقرية الملاءمة ! وتهدر فيه الاموال هدراً !
هنا تعن السمراء وتطيل الشقراء تفكرها ، ألأخضر الحريري ينحاز انتقاؤها ، أم للأبيض المزركش ؟ أترضى بالجوخ الكثيف ملبسا ، وتترك صقيل المخمل ولامع الخيوط ؟ وأي الأقمشة ينسجم وانوثتها ؟
لماذا يبدو وجه كل بائع فيك ،
مشوهاً ممسوخاً ، كأنما هو وجه مثل هزلي يطل من فصول مسرحية رصينة ؟ ألآن جلال القديم يأبى ان يكون الحديث له ندا ؟ فتلح ان يرتدي روادك جلبابا ضافيا وقلنسوة وحذاء حرير !
يا حفيد الحضارة الصناعية التي اترعت قلب الشام نضجا ، ورعت بالكسب عيشة الأنفس حول المزارع والمدن والسهول !..
يا رمز التملك والاعزاز وصلة القديم بالحديث !
أيها الشريان الخافق بالفيض والعمل ! يسعى اليك الفارسي والهندي ، يجد فيك منفذ أشواقه لبلاده الوادعة النائية ، ويتنفس في جوك المسحور رائحة المنسوجات والطيوب والعطور ، ويرضى بأصوات الطرق المتواصل والضرب الرتيب على القصدير والذهب والفضة ، ويبنى بعذوبة الفوضى في ارجائك ، وروعة اشتباك انحائك ، وتناسق التداخل بين مراميك كلها !
ويأتيك الغربي يذرع مسافتك مشدوهاً بأصالة شرقيتك مأخوذاً بحفاظك على العهد ، وانت غير محجوب في متحف ولا مستتر في دار آثار !
يا مكمن إذكاء القدرة والصنعة ، يا منشط الهمم ، يا أيها السوق الكبير ! تقف تحت أروقتك الصناعات المحلية ، تغذوها المحاولة الشريفة لاعلاء اسم الوطن ، وامامها الحذق المنمق بالآلة الرهيبة يحميها رأس المال الاجنبي !
تلك بعفوية إلمامها وفياض ارادتها لتكون شيئاً !
وهذه بهول قدرتها ومهارتها ؛ وسمو نوعها ومساندتها بوفير المال ! وتلك برعشة تهيبها أن يقال غدا : أرجل العمل في ماضيه ، خير منك ايها العربي في حاضرك ؟ أحتى التاجر الأموي أعظم مهارة منك ايها المتيقظ ؟!
بأية حكمة كان المسجد الأموي رابضاً في نهايتك ؟ يقرأ بمحاولة الربط بين الدين والدنيا ، ويمعن تفكراً في روحانية قاصديك ، أيظل يضحك من ملابسات الوجود وتناقض الاحوال والاشياء والازمنة ؟ ألآن أديان السماء انتسبت كلها اليه ، فاتخذته حيناً كنيساً ، وحيناً كنيسة ومحراباً ! فعرف بذلك وحده قلب الله العظيم ، وغاص في ثناياه وسحيق اغواره !
ألا يضجر المسجد بضوضاء السوق ، وهو مثوى الصمت الخاشع وكمين الزهد والخشية ! أم ان السوق المائج بالاصوات والحركات هو الذي يذوب استحياء تجاه التسبيحات الخافتة والايماءات الالهية الصامتة !
بأي عقل حكيم كان إنشاء المسجد في نهاية سوق !
أمتدمر بالدنيا هو الذي وضع رمز الدين يفصح عن النقيضين !
أم ذو نزوة فطرية في وضع الفكاهة الحية ، وقلب الاوضاع شاء ان يعانق السوق مسجداً !
أم تراه فرد احبك يا سوق الحميدية ، فأبى الا ان تتدرج العظمة فيك ، حتى تبلغ قمتها في مسجد ابتناه في نهايتك !!

