لماذا درست الطب : ... نحن في اواخر القرن التاسع عشر وثمة باقة من الفتيات الحبيبات يتعلمن في مدرسة الانكليز . تقترب احداهن من رفيقة لها دامعة العين :
ـ ماذا بك يا فاطمة ؟
ـ امي مريضة ...
ـ استحضروا لها طبيباً ..
ـ طبيباً ... وهي امرأة ؟
ـ اذن فاستحضروا طبيبة !
ـ وهل تحسبين عندنا طبيبات نساء ؟
ليلتها ، لم تنم فتاتنا ، استلقت على سريرها في الظلام ذاهلة تحلم : ـ لماذا لا ادرس الطب ؟ يا حبذا لو اصير طبيبة ! . وكانت انس بركات ما تزال تفكر وتحسب .. عندما لاح وجه الصبح ! ..
★اين تدرس الطب ؟ : تلفتت بعينين طموحتين في كل صوب فالفت منافذ الامل مقفلة ..
المعاهد العالية في لبنان لا تهضم بعد فكرة اختلاط الجنسين ، لا سيما في حقل الطب . وهناك من يشك في مكنة المرأة حتى على ولوج ذلك الباب ... ما اشد عجزها ، هي الفتاة المستكينة ، في اقناعهم دون ذلك ومحو شكوكهم !! توجهت باملها الكبيرة نحو الغرب ... « في اميركا منطلق اماني » . قالت ، « ولكن كيف السبيل الى السفر وحدي ؟! » خنقت الصبية اليافعة احلامها في صدرها وانتظرت بصبر ،
او كأنما الاقدار شاءت ان تخدمها ، فاذ بها ، ذات ضحى ، تبحر برفقة اخت لها اسمها مرتا ، استدعاها زوجها قسطنطين مكنا للحاق به ... كان ذلك عام ١٩٠١.
★في اميركا : في العالم الجديد ، وبعد سنة من التنقيب ، حطت الشابة اللبنانية رحالها في ديترويت ميشيغن . هناك قضت اربع سنوات تأكل الدرس اكلا . وتفرض احترام زملائها الطلاب فينتخبونها سكرتيرة الصف وتنتدب لتمثيلهم في مؤتمر الطلاب الجامعيين .. وتعطيها الجامعة منحة دراسية لسنة واحدة تقديراً لتفوقها واجتهادها . وفي عام ١٩٠٥ كانت انس بركات ترقى المنبر ، شامخة الرأس ، راقصة القلب والعين .. هوذا حلمها يتحقق !! هي ذي شهادة الطب في قبضة يدها !!
... وكانت ليلة ثانية قضتها في ارق ... انه قلق النفوس الكبيرة ... انه طموحها يتسع ... فيضج بالاماني الحلوة رأسها الصغير !!
★لا بد من التخصص :
زرّرت مريولها الابيض ورفعت اكمامه ، ونسيت نفسها في غمرة العلم والاستزادة من الخبرة والمعرفة .. فتنقلت من مستشفى الى مستشفى ، بين نيويورك وفيلادلفيا ، واخيراً اعلنت ذات يوم ، استعدادها للعودة الى وطنها وخدمة ابنائه ... وكانت الطبيبة اللبنانية الاولى ... تخصصت بالطبع ، للنساء . الم يكن قدومها منذ البدء لهذه الغاية ؟! وعادت ايضاً سنة ١٩٢٣ ، بعد زواجها ، فعملت سنة تخصص اخرى في باريس .

