امس رأيتك يا امي في الشارع عند سيارتك تحدثين صديقة لك وتضحكين ... احسست بقلبي ينسحق وانا ارقب ثيابك واناقتك تطغيان على كل شيء حولك .. لم ابرح مكاني عند باب الحانوت ورحت احدق في قلادة وهاجة حول عنقك .. عنقك الابيض الجميل الذي كنت الف ذراعي حوله كلما لفت هموم الطفولة شباكها حول نفسي ..
اراد شخص دخول الحانوت ففتحت له الطريق ووقفت جانباً احدق مرة اخرى . فصرخت نفسي غاضبة :
« يا لك من مستعطية عطف وحب ، يا لك من ذليلة لا تردين صفعة ولا تعرفين كرهاً ! ارخي جفونك وابتعدي عنها ، ولا تطيلي التحديق كبلهاء ترى الشمس لاول مرة » ! ..
فجررت قدمي وابتعدت ، أمشي على مهل وعلى كتفي حمل ثقيل كالحديد ، لا يقع ولا يذوب ، يظل هناك دوماً ساحقاً لحمي وعظمي ...
وصلت البيت اترنح كالسكرى فقفزت « ماما » من كرسيها تسأل عما بي فقلت وانا احاور دموعي :
« رأيتها ، كانت في الجانب الآخر من الطريق وكالعادة لم اجرؤ على الدنو منها .. »
فارتفعت يداها الى رأسي تأخذه كطفل مريض وهمست :
« تعالي الى الفراش ، انك تعبة بعد كل ذلك الدرس ، وسأقرأ لك شيئاً يزيل تعبك »
فوضعت شفتي على خصلة بيضاء من شعرها وقبلتها مرتجفة الشفتين .. واذ ضمني دفء الفراش شعرت بحاجة شديدة الى الوحدة فقلت :
« ماما ، اريد ان افكر قليلاً ، لوحدي .. »
فنظرت الي بأسى ثم قبلتني وخرجت بهدوء .. فاردت ان اصرخ مفسرة :
« ماما ، تعالي لافهمك ما لا تفهمين ! اني احبك ! احبك اكثر من كل شخص في هذا الوجود ، ولكني ايضاً احبها ، فهي كانت ولا تزال امي ! اطلبها في ساعات ظلمتي كما تطلب


