لسنوات قليلة خلت ، وبينا انا اضع كتاباً عن اسبانيا في عهدها الذهبي جرت لي في اشبيلية - حيث ذهبت للاحتفال بعيد الرب - مقابلة تبدو لي دائماً من اغرب ما جرى لي في حياتي .
كنا عشية الصيف والحرارة رهيبة . وقد نصبت فوق الشوارع الضيقة مظلات تلقي ظلالاً وارفة . ولكن الشمس كانت ترشق ، بلا شفقة ، الساحات بأشعتها . ولقد قصدت بعد ظهر ذلك اليوم قصر الدوق واللب بغية الاستمتاع بمنظر حديقة غنّاء بديعة ، وسقف رائع في احدى الحجرات من صنع الاسرى المغاربة قبل سقوط غرناطة ، على مايقال .
وكانت تنتظرني خيبة امل . فلقد اعلن لي الحارس ان القصر قيد الاصلاح ، وانه لا يسع احداً زيارته دون اذن خطي صادر عن مثل الدوق . ولما لم يكن لدي أي عمل آخر فقد استأنفت نزهتي . والشوارع ضيقة متعرجة في الاحياء القديمة من إشبيلية . ويحلو للمرء ان يهم على وجهه فيها تحت حماية
الاطناف ، ولكن من السهل ان يتيه وسطها . وهذا ما جرى لي . وكنت قد قطعت كل أمل بالخروج من هذا المأزق عندما ابصرت رجلاً يتقدم نحوي . فدنوت منه اسأله ان يرشدني الى طريقي فقال لي :
- لن يتاح لك ذلك قط ، وسأخطو برفقتك بضع خطوات لأدلك على السبيل السوي .
وألحّ على ارشادي مؤكداً لي ان ذلك لا يزعجه البتة .
قلت له :
- أنا عائد من قصر الدوق دالب . وددت ان اشاهد السقف المغربي ولكن لم يسمح لي بزيارته .
- أو يهمك الفن العربي ؟
- طبعاً . لقد سمعت ان هذا السقف لمن اجل ما يستطيع المرء ان يشاهد في إشبيلية .
- اعتقد ان في وسعي ان أريك شيئاً لا يقل عنه روعة ، فاذا كان لديك عشر دقائق سرت بك اليه .
فشكرته بحرارة ، وعدنا ادراجنا . ورحنا نثرثر في مختلف الشؤون حتى ألفينا نفسينا امام منزل كبير طلي باللون الاخضر الضارب الى الصفرة . وقرع دليلي الباب بيديه فشدّ احد الخدم حبلاً بعد ان نظر خلل النافذة .
- ما هذا المنزل ؟
- انه منزلي .
ودار الباب الحديدي الثقيل على مصراعيه ودخلنا صحن الدار . فاجتزناه وسلكنا مشى ضيقاً . وفجأة وجدت نفسي وسط حديقة ساحرة . جوانبها الثلاثة مسورة بجدران مرتفعة تغطي قرميدها العتيق الاحمر الذي سوّده الزمن وورود ذات عبير مسكر . وكان الجانب الرابع يؤلف مقصورة مغربية . فلما دخلناها رأيت السقف الرائع . وكان يبدو انه مأخوذ عن القصر ، ألوانه زاهية . انه جوهرة حقيقية !
وفي ظل شجرة نخيل أبصرت سيدة جالسة على مقعد فخاري من المقاعد التي ترى في حدائق القصر ، منهمكة في التطريز . فقال لي :
- اسمح لي ان اعرفك بزوجتي .
وكانت بارعة الحسن ، لها عينان رائعتان ، وأنف مستقيم أرنبتاه دقيقتان ، وبشرة لدنة شاحبة ، لا تعيب وجهها خدّة . ولم تكن سنها لتزيد عن الثلاثين ، ولكن خيّل إليّ ان شيئاً ما قد مات فيها على الرغم من استحالة ذلك نظراً الى سنها وجمالها .
سألت زوجها :
- إنكما ، ولا ريب ، تودان الجلوس ههنا ؟
- إذا اذنت بذلك ، ولبضع دقائق فحسب .
- سأدعكما وشأنكما .


