

استرقت من قلب الصيف حفنة ايام قضتها في اوربا ... وفي طريقها الى مرسيليا ، على ظهر الباخرة «مسون» استوحت الآنسة نور سلمان هذه المقطوعة «الطفولية» ..
الله ! كيف يلفح جوها المرح الساذج ، واللهو البريء !!
بين البحر والسماء انا ... ومع الكل انا وحدي ... اللهو والكل معي يمرح ويلهو ...
ابث ضحكي بين القهقهات الطائشة لحناً ناشزاً متهرباً ولكن ... من يدري بتمرد ذلك اللحن ؟ الكل يضحك وانا .. مع الكل انا اضحك واقهقه !
حلقات المتسامرين في الباخرة لا تنفرط طالما كان السمر وليد السفر ... فلا وجوم عابس .. ولا انكماش متباعد ولا احتراس متزمت ... ويتسلل بين تلك الحلقات الضاحكة هؤلاء الذين يحومون في دائرة مفرغة ... هؤلاء الذين يروحون ويجيئون وبين ايديهم عصارات حلوة ... مرة .. مسكرة يتنقلون بها من طاولة الى اخرى .. ليشرب هذا ... وتتذوق تلك .. القطرة بعد القطرة ... او ليطفيء ذاك ظمأه بجرعات طماعة تخالها جرعة واحدة ..
انا احب هؤلاء ولا اخجل مجيء لهم وان كان شفقاً عطفوا ... ذلك الحب !
انا لا احب ان انادي هؤلاء بلقبهم الذي لا يتغير ... كارسون ! لأشرب
قدحاً من العصير .. فالامر اللامبالي يفسد حلاوة العصير في فمي ..
رأيت احمد .. واحداً من هؤلاء .. منحنياً على شرفة الباخرة يود لو يجادل البحر وكأنه جائع للكلام ... للتكلم .. لا ككارسون يحرك قدميه الامر .. ولسانه «البخشيش» او تنسيه بذلته السوداء التي تفرض عليه الاناقة فرضاً ان لرجوليته حقاً عليه ؟
تحدثت معه والعيون الهازئة تتأوج حولي .. تحدثت معه واردته ان يفيدني ، هو الذي غدا السفر في حياته تنقلاً ملأً ضاعت بهجته !
وكطفلة ساذجة اخذ يحدثني ويشرح لي موقع كل مرفأ ومدينة على الشاطيء ومن حديث الجغرافيا راح ينثر على مسمعي حوادث شتى كان او كاد ان
يكون فيها بطلاً متفوقاً ... كان يتكلم بغبطة وارتياح وبلغة عرفت الاقل من مفرداتها ... ولكني فهمت ... فهمت انه يود لو يظل يقول .. ويقول ويقول .. بعد ان كاد يشك بوجوده وكيانه ...
نسيت كيف انتهى حديث احمد .. وما زلت اذكر كيف قدم لي في مساء ذلك اليوم نفسه ... قدحاً ... من العصير بيد غير اليد المأجورة التي تملأ الطاولات اقداحاً وفناجين كل صباح وظهر ومساء ..
قدحاً من العصير كان نصيبي .. ولم يخطر ببالي ان ادفع ثمنه او اشكر احمد عليه ... بغير عبارة لطيفة وابتسامة امتنان ... شربت القدح .. وتلذذت بكل قطرة فيه ...!
مكافأة نلتها تلك العشية ... ما احلى حلاوتها ... لقد تحدثت كل العيون الهازئة حولي ...
انا ... لن ارى بعد اليوم تلك العيون .. لن اراها !
