حوالي السنة ١٨٢٠ كان فردينان ويك اعظم استاذ بيانو في ليزغ وواحداً من كبار موسيقي المانيا .
كانت كلارا ثاني بناته ، وقد اظهرت ، منذ سنيها الاولى شغفاً بالموسيقى . وعندما بلغت سن الخامسة شرع ويك يعلم ابنته العزف على البيانو .
في العام ١٨٢٨ هبط على ويك تلميذ جديد في الثامنة عشرة من العمر . وكان طالباً في معهد الحقوق ومن اب يعمل ناشر كتب . وكان يدعى روبير شومن .
قضى هذا الفتى طور المرور من الطفولة الى المراهقة بعناء واضطراب . فانقلب مرحه الطفولي وصراحته الجميلة الى كآبة مع المراهقة . فصار منطوياً على ذاته ، شارد اللب ، كسولاً ... يأوي الى البيانو كل مساء ويرتجل عزفاً وينتحب .
واكتشف فيه ابوه غريزته الموسيقية واراد ان يدفع به الى وبير ليتعلم على يده . لكن هذا الوالد مات فجأة وروبير بعد في السادسة عشرة .
شومن اذاً في الثامنة عشرة عندما يبدأ مع ويك دروساً رصينة في البيانو . اما الموسيقى بحد ذاتها فقد تعلمها لا بالنظريات المجردة فحسب بل بدرس عميق لحياة الموسيقيين العظام . وكان باخ معبوده الاكبر .
لكن هذا المراهق القلق لا يلبث ان يترك ليزغ وويك ويرحل الى هولبرغ ليواصل فيها دروس الحقوق ولكن حياته تبقى ، مع هذا ، في اضطراب لا يعرف الاستقرار فهو ابداً حائر ، ويكتب الى امه بصدد ذلك :

« ان حياتي كلها ، منذ عشرين عاماً ، لم تكن سوى كفاح مستمر بين الشعر والنثر ، او ، اذا اردت ، بين الموسيقى والشرع . والآن ها انا بين طريقتين وان هذا السؤال يرعبني : اية حياة اختار ؟ »
وفي هذا الاضطراب وهذا الضيق يرجو امه ان تكتب لويك : « اسأليه عما يظن في مستقبلي » . ويجيب ويك : « اني آخذ على عاتقي ان اجعل من
السيد روبير ، ابنك ، في مدة ثلاث سنوات ، من اكبر العازفين على البيانو الاحياء ، بسبب ذكائه ونبوغه . يجب ان يتوصل الى العزف بدقة وبحرارة اشد ، من حرارة موشاز ودقته وبعظمة اقوى من عظمة هومل . واني اعطيك الدليل بشخص ابنتي وعمرها احدى عشرة سنة ، وقد بدأت اقدمها للجمهور».
وارسلت مدام شومن الكتاب الى ولدها ، واجابها روبير :
« لقد اضطرت نفسي ان تقرر لذاتها فوضعت المستقبل في كفتي الميزان واختارت الكفة الراجحة . لم اجد عملية الاختيار شاقة ... »
شومن يقيم الآن ثانية عند ويك . على انه لم يكن سعيداً . فهو من هؤلاء الذين لا يسعدون ! وكتب رسائل نابضة بالالم . ولا شك انه لم يكن مرتاحاً من ناحية الرزق يحرمه فقره اشياء كثيرة . ولكن السبب الرئيسي ليأسه كان ابلغ من ذلك واشقى . وها هي الرسالة التي تروي احزانه وتبين علته الخفية :
« ان حياتي مملة وبلا سرور ، وانها لبركة الا اعيش وحدي ، اذ اني في العزلة انقلب بسهولة انساناً يبغض الناس . وانه ليزعجني الا ارى الا بشراً اغبياء . على ان في قرارة ذاتي لست جدّ بائس ، لان الموسيقى تهبني كل ما يرفضه عني الناس . ان البيانو يحكي لي المشاعر العميقة التي اعجز عن التعبير عنها ، واذا كنت تعباً ، مهدود القوى ، افكر بالاعزاء في البيت ، الذين احبهم
