
طفلة تحلّل مشهداً شعرياًفي كتابين!
ووئيداً سحبت (بوح) من جانبي كأنما هي لصة محترفة ، وبحركة فيها مزيج من غنج الصبا وطفرة الطفولة بما فيها من حب استطلاع طاغ .. تمكنت من اخذه عنوة .
وضجت ضحكتها وهي تلوذ بابيها وقد امسكت بالكتاب وراء ظهرها .
- ويك يا نسيمة ، او لم اقل لك الا تقرأي الا ما اجيز قراءته لك انا ؟!
قلت ذلك ومددت يدي اطلب اليها الكتاب .
قالت وهي تعطينيه وقد وشى خبثها المصطنع الم ظاهر :
- انك لقاسية يا ماما .. و... مخطئة في بعض الاحيان ...
وترقرقت الدموع في العينين الزيتاوين ثم اختلطت بالضحكة الشاحبة ، وتداركت دون ان تنظر الي :
- ما اظنني اخطيء اذا ما قرأت بعض مقاطع من هذا الكتاب لادفيك شيبوب ، فكماها على ما اتضح لي حلوة ، حارة ، نقية - وكأنما ارادت ان تقول ذات اسلوب فني رشيق ، ونفس انثوي دافيء ، وغزل رفيع فذ -
واخذت بدوري بالرصف النقدي الذي احبه فيها على تعبيره الساذج وتركيبه العفوي فامسكت عن محاولتها ، وراحت تثرثر مطمئنة معترفة في غير احجام ولا استرضاء :
- لقد احببت هذه الاهازيج كثيراً ، وقرأتها كلها ، واستظهرت بعض مقاطع منها ، ما احلاها يا ماما ، وما اشهاها .. اني احب ان اقرأها دائماً .. ولا اعلم لماذا تذكرني ابداً باغاني فيروز الطلقة السابحة ، ذات النغم الساحر ، والجرس الحنون ، والاباء والوفاء .
- وكأني بنسيمه ارادت ان تقول في هذا الذي اخطأها التعبير فيه : انها لتجعلها تحس فيها قيمة المرأة النفسية - كما في اغاني فيروز - وانطلاقها العف بما فيه من كبرياء لطيف وشوق ابي ، وعبير قدسي . هذه الكبرياء وذينك الشوق والعبير التي تعبر جميعاً عن نفس زاخرة بالقيم ، ثرة بالمثل اني للرجل ان تصدر عنهما دام في قرارته وفيها لغريزته الصاخبة الفوارة بدم الجنس ... -
كنت افكر بهذا فسمعت نسيمه تغمغم وقد افترت شفتاها الانيقتان عن هذه الكلمات التي حفظتها من بوح - فيما
حفظت - دون ما شرط ولا قيد ، لانها خسرت فيها معنى رفيعاً من معاني الغزل العف عندها، في مشهد من اروع مشاهد الطفولة البريئة :
«وتعود اليوم صغيرة الامس
يلفها من الهم وشاح
فتعرف الدرب وقع خطاها الوئيدة
وتتململ حبات التراب مرحبة
وهم الوادي بسؤالها عن رفيقها
الذي كان يزيدها اصبعاً
ويحجم الصدى ذاكراً رنة الضحكة المزدوجة
تلك التي كانت ، ذات عهد ، تدغدغ الوادي كل فجر
اصحيح انها انقضت الى غير عود ؟»
وامسكت نسيمه عن الغمغمات الحلوة لتسترسل منشدة في غمرة سادرة مقطوعة اخرى قبل ان اطلب اليها سرعة الرجوع الى دروسها المتراصه المنتظرة .
ولكن هل حفلت نسيمة بما وعت ما دار في خلدي ؟ وهل كان بوسعي بعد اسكانها وقد اخذت تقول لي مأخوذة محتجة معقبة :
