إلى الخلق المبدع الذي يغرف مادته من الينبوع الكبير الصافي دون قيد أو شرط.
وبعد، هل نحن من العالم سوى ساقية صغيرة في النهر العالمي، عنه نتفرع وبه نتأثر؟ وهل في مكنتنا وحدنا الانفراد والتشبث في أمر دون التأثر بالمجاري والتيارات الرئيسية التي تصب في هذا النهر بلا هوادة، حيناً تلون ماءه بالجمالات الغنية، وحيناً آخر تدفعه باضطراب معكراً مغبراً؟!
لا أحسبنا إذن مخيرين في هذا الأمر، ولا أحسب مصيرنا الشعري رهناً بإرادتنا، إذا قدرنا لشعرنا أن يدأب على النمو وينال قسطه من التطور الطبيعي، ما دمنا نسد جوعنا الفكري عن موائد غربية ونلقح ثقافتنا دون تحفظ، بثقافة غربية ما انفكت في تطورها وتجددها الدائم خير نموذج لعصر الذرة الفائق السرعة والذي نعيش فيه!
نخلص من هذا إلى القول بأننا في أثر الشعر الغربي سائرون، فما هي إذن مقومات هذا الشعر، وإلى أي مدى تحرر من قيوده؟
إنه سؤال يترامى بعداً وغوراً ويقصر المجال دون الإحاطة به كما يجب. غير أن من تسنى له أن يرافق النهضة الشعرية الحديثة مدرك ولا شك بأنها أحد مظاهر «التحرر» الكلي الشامل الذي يسم بوضوح جميع مرافق حياتهم على السواء: الفنية منها والأدبية والاجتماعية.
فالفنون مثلاً، انطلقت من قيودها الكلاسيكية لا آبهة بالاحتجاج والاستنكار يرسلهما المحافظون بشدة.
كأنما هؤلاء الفنانون يمشون وحدهم في وضح النور والعالم من خلفهم في غوغاء الوعي الفني يختبط!.. ليست عبثاً برأيي، ثقة الفنان المعاصر بقيمة نتاجه، وإلا فما باله قطع السلاسل بهذه الجرأة الخارقة وحلق كالنسر في أجوائه الحرة؟!
وبين شعراء فرنسا وأميركا، لو علمنا، عدد ضخم متجل وذو شهرة عالمية... وأتحدى من يستطيع أن يعثر في دواوينهم على ثمة وزن أو قافية! كأن ضمائرهم الشاعرة باتت ترفض رفضاً كل ما يحد من حريتها وانطلاقها.
وهاكم الأثاث في بيوتنا الحديثة لكم يجنح في تصميم خطوطه إلى التبسيط والوضوح والانفلات من مطلق تعقيد واضطراب... وحتى أزياؤنا أي توجيه فيها كبير نحو التحرر يتخذه مبتكرو الأزياء رائدهم لكل ما يرضى عنه الذوق العصري ويرتاح إليه!
يخيل إلي، أن هذه الظواهر المتعددة والمتماشية كلها في الاتجاه إنما هي معبر طبيعي عن حالة الناس النفسية ـ نفسية من خرج من حربين عالميتين عانى من ويلاتهما ألوان الضيق والحرمان فطلب الحرية على كل صعيد كردِّ فعل لما أصابه... وكان من الطبيعي أن تنعكس نفسيته التواقة إلى الحرية، في كل أثر يبدر عنه: فني أو أدبي أو اجتماعي...
لا أود أن يفهم من كلامي بأنه قضي الأمر وتم تحرير الشعر الغربي ولم يبق هنالك من ينظم القوافي ويعنى بالأوزان. بل سيظل لهذه في كل زمان ومكان من يتشوف إليها ولا يتغنى بسواها.. وأنا شخصياً من الذين درجوا على تذوق الشعر الموزون والطرب له.
وليست مهمتي هنا غير محاولة لعرض واقع وتحليل موقفنا منه، بنسبة ما لهذا الواقع من صلة وثقى بخصائص العصر على الصعيد العالمي الذي نحذو حذوه ونتأثر بما تأثر.
على ضوء ما تقدم، يتراءى لي من الاحتمالات التقديرية أن ثمة اتجاهاً قوياً لتحرر الشعر العربي من الوزن والقافية. حسب هذا التحرر من مبرر أنه صورة صادقة لروح العصر وتنكر أبنائه لكل قيد يحد من انطلاق القوى الإنسانية في الإنسان لخلق ما هو أفضل.
بقي أن أؤكد، أنه ليس هيناً البتة، أن يستقيم للشعر المنثور من الخصائص ما يرفعه إلى مصاف الشعر الموزون، هنالك شروط فنية معينة هو بدونها من سقط الكلام ـ ومن هنا عدَّ أغلب الشعر المنثور حتى الآن ليس بجيد ولا مستحق تقديراً، فلا يحسبن إذن، كل [...]

