
ذاعت شهرة بثينيا في العالم سنة ١٩٢٢ يوم نجحت في سن قانون يقضي على كل طالب زواج الحصول على شهادة طبية، وذلك بعد أن سلخت خمسة عشر عاماً تفاوض وتناقش الهيئات التشريعية في ولاية «أوريجون». فكانت هذه أول خطوة ظاهرة في سبيل جعل تحسين النسل موضوعاً يناقشه الجمهور علانية. وكان هذا القانون الأول من نوعه في أميركا. وكتبت إحدى المجلات يومها معلقة على توقيع محافظ «أوريجون» على هذا القانون قائلة: «إنه نصر تاريخي يسجل للدكتورة «بثينيا أوونز آدير».
لقد كان يوماً حاراً من صيف سنة ١٨٧٢ في قرية «روزبرج» عندما دعيت «بثينيا» لتشهد أطباء القرية وهم يشرحون جثة «جوماسي» الصعلوك. وكانت «بثينيا» قد فرغت حديثاً من دراستها لنيل شهادة طبية من كلية «فيلادلفيا» (وهذه الكلية كانت إحدى المعاهد القليلة التي تقبل النساء لمثل هذا الدرس). كان ذلك في العهد الأول من تاريخ استعمار أميركا. وكان مشهد تشريح الجثث عملاً بشعاً مقصوراً على طائفة من الرجال دون النساء.
ولم يخطر في بال أحد أن تلبي بثينيا هذه الدعوة، ولكنها فعلت! وخرجت ميممة شطر الكوخ الذي ستشرح فيه الجثة غير مكترثة لنظرات التحدي والاشمئزاز التي كانت ترمقها بها نساء القرية.
كانت «بثينيا» فتاة جميلة نحيلة في العقد الثالث من عمرها، اجتازت أزقة القرية شامخة الرأس... «يا لها من جرأة»، همست إحدى النسوة، «رويداً حتى يقع نظرها على «جوماسي» وقد مضى على وفاته يومان، إنها لن تلبث أن تولي الأدبار مذعورة!».
صبرت «بثينيا» على تهكمهن. ولما اقتربت من الكوخ أخذ قلبها يخفق بشدة. إذ أن أشد ما كانت تخشاه سخرية الرجال... لقد سمعت قهقهتهم وودت لو تعود من حيث أتت، ولكنها بقيت تتقدم وجهة الباب، ورفعت مزلاجه. فما رأوها حتى ماتت ضحكاتهم وانقلبت دهشاً.
وقف كبير الأطباء في «روزنبرج» وهو الدكتور «بارنز» على مقربة من الباب وكان هو صاحب الدعوة. أدركت أنه أراد بذلك تحديها وإذلالها وهذا هو سر دعوته إياها. ولكنها بسطت إليه يدها قائلة: «أشكر لك دعوتك، وأقدر ما أوليتني من شرف». عندها نظر إلى وجهها المحمر وعيونها التي لم
يرف لها جفن نظرة المزدري ثم صاح: ليس يجمل بامرأة أن تشهد تشريح جثة رجل. فسألته «بثينيا»: «أي فرق بينه وبين أن يشهد رجل تشريح جثة امرأة؟». لقد دعيتني يا حضرة الرئيس «بارنز» وها أني لبيت دعوتك.
وهمس في أذنها أحد الأطباء على استحياء قائلاً «أن العلة التي قضت على «جوماسي» قد أصابت فيما أصابت من أعضائه عورة».
أحست بثينيا كأن الدم قد غاض من وجهها. ولكنها ملكت نفسها وأجابت ثابتة الصوت: «ينبغي أن تكون أعضاء الجسم كلها سواء في عيني الطبيب». وقال الدكتور «بارنز» محتداً وهو يقذف بين يدي «بثينيا» بآلات التشريح: «إليك إذن وتولي أنت بنفسك التشريح!»
مرت بها لحظة هول وحسبت أنه سوف يغمى عليها وفكرت: أستطيع أن تتولى هذا الأمر؟ لقد كان تعليمها نظرياً وكل ما كانت تعرفه في عالم التشريح إنما تعلمته من صور الكتاب لا من الممارسة إذ كان محرماً على النساء في ذلك الوقت أن يمارسن الجراحة. ولكنها صممت على العمل، وشمرت بهدوء أكمام ثوبها الأبيض الخفيف. ولم تكن القفازات قد عرفت يومئذ. فلا بد إذن من أن تمس يداها العاريتان تلك الجثة الباردة القذرة!
اقترب منها الشهود ليروا تشريحها عن كثب، وهي صامتة تعمل بمهارة. وفي تلك الأيام كانت الطرق الميكروسكوبية والبكتريولوجية والكيمياوية المعقدة مجهولة لا تستخدم
