في التشريح . وكل ما كان يمكن استنباطه من مثل هذا الفحص لا يعدو ما تراه العين المجردة بجلاء . ابدت رأيها فيما وجدت بجرأة متواضعة ثم خاطت الجلد وهيأت الجثة للدفن . وبعدها غسلت يديها واسدلت اكمامها ، دون ان يستطع احد من الاطباء الحاضرين انتقاد عملها او نقض نتيجة من النتائج التي ادلت بها ، بل لعلهم كانوا غضابا ... ثم فارقت الكوخ بكل هدوء بعد ان ردت تحية فاترة من بعض الشهود . اما النساء فقد جلسن في ازقة بيوتهن ينظرن اليها صامتات . وثمة عجوز منهن صاحت بها : « لعنة الله عليك يا بثينيا اوونز آدير » انك عار على بلدتك واسرتك ، خير لك ان ترحلي عنا فلم يعد احد منا يطيق بقاءك !! »
ادركت « بثينيا » بعدها انها لن تستطيع ان تمارس عملها في « روزنبرج » لذلك حملت امتعتها ورحلت الى « بورتلاند » حيث افتتحت عيادة لأجراء العمليات بل الحمامات الكهربائية والطبية لزبائنها . وهو الفرع الوحيد الذي كانت المرأة تستطيع الطموح اليه . اتسع عملها واخذت تصعد ببطء مجاهدة في مراقي النجاح .
وفي سنة ١٨٧٨ خطت خطوة جديدة اذ دخلت جامعة مشيجن بعد ان رفضت جامعة جيفرسون قبولها . وفي نفس العام الحقت ولدها بنفس الجامعة التي كانت تدرس فيها ليبدأ دراسة الطب مع امه . وكانت قد تزوجت وهي في الثالثة عشرة من عمرها رجلاً لا يصلح لشيء . وبعد سنتين من الدرس المرهق نالت شهادة الطب الحقيقية وابتدأت
تشتغل طبيبة في مستشفى « شيكاغو » مع زملاء رجال . واشتركت مع اكبر الجراحين وهم يعملون . ثم عادت بعدها الى « اوريجون » لتمارس عملها مع الرجال على قدم المساواة .
توفيت « بثينيا » في الثمانين من عمرها بعد ان قضت اكثر من خمسين عاماً من النضال في سبيل تحرير المرأة . حاربت المشدّ القابض ، ونددت بركوب الخيل على جنب واحدة ، وطالبت بسفور المرأة وحثتها على ممارسة الرياضة ، واشتدت المناقشة بينها وبين الرئيس « تشارلز اليوت » مدير جامعة هارفرد وهو في الطرف الآخر من القارة
الاميركية . وكان يخشى ان يكون التعليم العالي والرياضة في الهواء الطلق مما يفسد على المرأة مهمتها الطبيعية وهي الحمل والولادة . وقد اقتنع بصواب رأيها حين تزوجت زوجها الثاني في الرابعة والاربعين من عمرها ، وحملت وهي في السابعة والاربعين .
لقد استطاعت « بثينيا اوونز آدير » ان تحطم اسوار الجهل والتعصب وتكسّر اغلال الحرمان التي طوقت اعناق النساء . فكانت تلك الساعة المفزعة التي قضتها في تشريح جثة الريفي اول حافز لها للجهاد في سبيل تحرير بنات جنسها .

