كنت أنقل بصري من الحقول الخضراء إلى يميني إلى المالح المتجمدة في الجهة الأخرى على محاذاة الساحل قبل مدينة طرابلس وبعدها إلى الشمال .. تلتمع تحت الأشعة كمرايا مجلوة والبحر الأزرق يمتد إلى حيث تمتد أشواقنا ... والسيارة تطوي بنا الدرب الطويل إلى اللاذقية .
كنت أرى الطريق لأول مرة وأعترف أن الفضل هنا لدعوة كريمة تلقيتها من الآنسة سعادة هارون لزيارة المدينة .
وكانت « إنجيل عبود » رفيقتي في الرحلة تجلس إلى جانبي تشد إلى كتفها (كاميرا) ثمينة كأية سائحة أميركية محترمة .. وتتطوع لإرشادي إلى كل أثر نمر به في طريقنا ... فلها مع كل أثر ذكريات مدرسية تعيها ولا تنساها .
وكنت أسمع وأتطلع والشمس المنصبة من نافذة السيارة تحرق خدي ولا أبالي . كنت في حاجة إلى الشمس يشهد بذاك وجهي الشاحب .
وقطعنا طرابلس وذكرتني مصافي شركة بترول العراق هناك بمصافيها في حيفا يوم كانت تلك ميدان نشاطها الرئيسي ، وجاء دوري الآن مع الذكريات أثيرها وتثيرني ولا أكاد أسمع صوت إنجيل تقول : وهنا نادي موظفي الشركة .. وتلك شعلة وقودها البترول تحتفظ بها الشركة مضاءة ليل نهار ...
وانسربت السيارة .. جزيرة في البحر تبدو شاعرية من بعيد تلك ( أرواد ) يعيش أهلها على الصيد وعلى هدهدات الأساطير ..
ونحن بعدها في طرطوس ، لم أحبها .. لم تكن لها سمات المدينة ولا ملامح القرية ، شيء ضائع بين هذا وذاك ، والموسم هناك لقصب السكر يحمله الناس في الطريق ويمصون ألیافه ثم يتركونها على الأرض لتحط عليها جيوش الذباب .. التي تتخطر بين بقايا القصب وبين حلوى فرشها بائع متجول على عربة .. ولا أدري بعد أين عيون مفتش الصحة !!
وخرجنا منها .. ومرة أخرى عادت إنجيل تحدثني عن التاريخ .. كانت هناك إلى اليمين قلعة صليبية ضخمة قائمة على ربوة ولم يتركها القرويون للتاريخ فبنوا أكواخهم حولها وظلوا يعيشون مع القلعة أثراً له جمود الأثر !!
وهذا برج المراقبة فتحت فيه قنابل الحرب ( لا أدري أهي الأخيرة أم التي قبلها ـ سأسأل إنجيل على كل حال ) ثغرة بدت كفم يوشك لو سألته أن يتحدث بالكثير .
وهذه بانياس .. يقول السائق ، فنتطلع ولا نرى شيئاً يثيرنا فيها غير قربها من البحر الأزرق .. الذي تتخطر فيه سفن تقصد اللاذقية تواقة إلى تقبيل ساحلها غير أنها تظل تتطلع مشوقة من بعيد فالمرفأ لم يتم بناؤه بعد . والشركة اليوغوسلافية ملتزمة المشروع ما تزال جادة تبنيه ..
ودخلنا اللاذقية ..