ركن توجيهي شهري اثرنا اليه في العدد الفائت، نزولاً عند سؤال السيدة انيسة نجار، وقد عهدنا اليها بالاشراف على الركن على ان يسهم في تحريره - دورياً - نخبة من سيداتنا الواعيات، مبتدئين بصاحبة الرأي الاول في الموضوع، اديبتنا المجاهدة السيدة اسمى طوبي.
من ثنايا التاريخ تطل .. او لعلنا نجذبها من ثوبها لتطل .. فقد كان من طبيعة عصرها التواضع. وكان من طبيعة عصرها ان يغمرها فلا رسم يحفظ لها ولا صفحات طويلة عريضة في التاريخ عنها .. بل صور خاطفة هنا وهناك.
ولعل لهذا الاجحاف سبباً .. فاكثر الكتب التي وصلتنا عن حياة الاندلس ألف بعد سقوط ذلك البلد العظيم .. وألف في ظروف خفي فيها ادب المرأة عن منال الاقلام .. او جهدت تلك الاقلام لتتتبع اثر الرجل وكفاها ذلك نصباً.
اسمها .. زينب .. ولقبها طبيبة بني أود .. واذا علمنا ان العرب في الاندلس احتفظوا بعصبياتهم فعاشوا كما كانوا يعيشون في تهامة ونجد كل عشيرة لها موطن وبينها رباط وثيق .. واذا علمنا ان الفرد منهم ظل يفنى في القبيلة تماماً كما كان يحدث في الجزيرة العربية .. علمنا لماذا غلب لقبها عليها فعرفت بزينب طبيبة بني اود .. وحسب.
هل كانت مهنتها التطبيب بالاعشاب وغيرها .. ؟ ضمد الجراح كجدتها العربية .. ؟ كلا لم تكن هكذا .. انها كانت طبيبة دارسة متخصصة في طب العيون .. برعت في ناحية اختصاصها الى حد ان تقوم بعمليات جراحية في العين .. بادق آلات الجراحة في عصرها.
وعصرها ذاك .. انه ازهى عصور العرب طراً .. عصر الناصر الذي ملك في الاندلس ٥٠ عاماً. والذي فتح للعرب من الحصون والمقاطعات ما فتح حتى وطئت اقدامهم قلب اوروبا واطراف آسيا .. اوصلهم قمة المجد .. صنع لهم المعجزات. اجرى الذهب في الاندلس .. شجع العلم .. بحث عن أئمة اللغة ليترجموا الى العربية عن اليونانية والفارسية والهندية وغيرها ووهبهم الكثير مقابل ذلك .. وهكذا
واقبل العرب على الكتب المترجمة يشرحونها ويتفهمونها والناصر يرفع من شأن العلماء ويرفع .. فلما القوا وابدعوا
اقبل على الاندلس لا من جوار اسبانيا وحسب .. بل من انكلترا وايطاليا اقبل طلاب العلم والمعرفة لينقلوا ما ألف العرب الى لغاتهم .. وليترجموا هم هذه المرة العلوم والاداب الرفيعة التي انتجتها الاقلام العربية الفذة.
ومشت المرأة مع الرجل جنباً الى جنب تطلب العلم وتحصله بكل ذكائها ورغبتها حتى قال غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب ما يأتي «اما نباهة شأن المرأة العربية وسمو مكانتها في عصور العرب الزاهية فما ينبئ عنه عدد اللواتي امتزن بنفاذهن في العلوم والاداب من نساء العرب».
ولكن ماذا درست المرأة .. ؟ وفي اي علم وفن برعت .. في قرض الشعر .. ؟ الفلسفة .. ؟ العروض وقواعد اللغة وآدابها .. اجل لقد درست هذا كله حتى كانت الاستاذات منهن يلقين على نساء الخلفاء وبناتهن في القصور دروساً في تلك العلوم .. ولكن اكثر ما عنيت به المرأة هو الطب.
لقد ورثت عن جدتها حب التطبيب .. يوم كانت الجدة تحمل في حقويها الضمادات .. وتسير خلف الجيوش لتضمد الجراح .. يوم وصل اعتراف قومها باصالة فنها البدائي .. انهم كانوا ينصبون خيمة للبارزات في هذا الفن امثال كعيبة بنت سعد الاسلمية .. ينصبون لها خيمة في المسجد .. ثم يحملون اليها الجريح فتوقف نزيف الدم ان كان ينزف .. وتجبر عظامه .. ثم تأسو جراحه ..
فلما فتحت ابواب العلم على مصراعيها امامها .. ولما اقبلت كما يقول المؤرخون على الدرس وانصرفت اليه وامتاز اكثرهن بمضاء الذكاء والقدرة على اكتساب العلم .. كان الطب من العلوم المحببة اليهن.
ولم تكن زينب هي الطبيبة الوحيدة طبعاً .. بل كانت هناك كثيرات .. كانت بغداد كقرطبة مسارح للكثيرات