تنتشر في فصلي الصيف والخريف وفي مختلف انحاء الريف اللبناني بيوت من الشعر يسكنها البدو الرحل .
ولهؤلاء البدو طرق للمعيشة معينة أتيح لي هذا الصيف ان اتعرف عليها عن كثب عندما نزلت بعض هذه القبائل السهول الممتدة في جوار بيتنا .
لطالما كنت اراقب « ام راشد » البدوية من نافذة مطبخي ، واتردد لزيارتها من وقت الى آخر .
وام راشد هي الزوجة الرابعة لأبي راشد ... تزوج قبلها ثلاث نساء . الاولى لم تنجب له اولادا فطلقها والثانية انجبت ابنتين فطلقها ليتزوج غيرها متأملاً « بالصبي » اما الثالثة فماتت بعد زواجها بسنة فتزوج ام راشد التي انجبت ست بنات قبل ان ينعم الله عليها بالصبي !
ولنعد الى بيت الشعر الذي تسكنه عائلة ابي راشد . انه كناية عن خيمة كبيرة مصنوعة من شعر الماعز . مقسومة من الداخل الى قسمين ، قسم للمنامة وقسم للاستقبال . اما الطبخ والغسيل وغير ذلك فتقوم به ام راشد على الارض الواسعة خلف الخيمة .
وطرق المعيشة عند البدو جميعهم بدائية الى حد لا يتصوره العقل . فالمدنية لم تتمكن من التسرب اليهم حتى ولا من ثقب الخيمة ! . وشمس القرن العشرين لم تطلع عليهم بعد . ومع كل ذلك فهم سعداء لا يرضون ببيت الشعر بديلاً . سألت مرة
ابا راشد عما اذا كان يقبل السكن باحدى القرى في بيت من حجر اذا قدم له ذلك ، اجابني بكل تأكيد ان البدوي يفضل حريته على كل شيء فهو حر كل البلاد بلاده لا يتقيد بحكومة ولا بقانون .
وابو راشد يتاجر بالجمال والغنم ، هذه الحيوانات التي ترافق البدوي اينما عاش والتي هي السبيل الوحيد لكسبه بعض المال . وقبل موعد رحيلهم لسوريا بيومين ذهب ابو راشد الى سوق بعلبك
وباع جملاً بمئة وخمسين ليرة يشتري بها مؤونة للشتاء كالسكر والدبس والشاي والقهوة وبعض اللباس له ولعائلته .
وتقضي ام راشد نهارها ككل ام لها هذا العدد من الاولاد . فهي تطبخ وتخبز وتغسل وتخيط وتغزل وتساعد بناتها في جمع الحطب وجلب الماء من عين او نهر قريبة للخيمة .
وطعام البدو بسيط جداً فهو يحتوي على الخبز والبرغل والكشك والحليب واللبن والدبس واحياناً الفاصوليا والعدس . واذا ما رخص ثمن الخضرة في فصل الصيف فهم يبتاعون البندورة اما اللحم فيأكلونه في المناسبات كالاعياد والاعراس .
وفوجئت ام راشد يوماً بزيارتي بينما كانت منهكة بالطبخ واولادها مجتمعون حولها . فلاحظت ان الاولاد جياع ينتظرون الطعام لينضج الا ان ملاحظتي كانت خاطئة . فام راشد كانت تطبخ الحلوى لأولادها ، وهم ككل الاولاد


