«لو كنت مكانك لدست عليها بقدمي وصعدت قدماً.. اني لا اهرب من مزعجات او صعوبات تعترض طريقي، إنها كالدودة هذه، ان حاولت ايذائي قتلتها وان مشت في سبيلها تركتها».. هذا ما قلته لي مرة، فلماذا تريد ان تهرب من صعوبة برزت امامك اليوم؟ انت علمتني الشجاعة واكره ان اراك اليوم جباناً... لم يعرف ابي عنك شيئاً حين رفعك عن الارض طفلاً، لكنه يعرف اليوم انك خالق آماله وامانيه وان حياتك جزء من حياته وسعادتك كل سعادته. امي ترى طلعة الشمس في محيّاك وبغيرك لا تعرف للحياة بهجة أو سرورا.. دلال تعبدك ولا تترك حروف اسمك شفتيها... رجاء تتبعك من مكان الى آخر كظلك، تغرّد بوجودك وتعبس بغيابك.. أسامع انت ما اقول؟ فخبأ عينيه بيديه وهتف بصوت جريح:
«لماذا تعذبني هكذا؟ لقد تغير كل شيء الان.. من حين اخبرتني الحقيقة وانا انصوركم تلتفون حول ذلك الطفل المنبوذ، تعطفون عليه عطفكم على كل محروم فيعطيكم قلبه وحبه وتعطونه قلوبكم وحبكم يوماً بعد يوم وسنة بعد
سنة.. عطفتم ثم اجبتم فاصبحت واحداً منكم، لم اكن منكم اصلاً لأحب كما يُحب الاب والام الولد قبل ان يولد.. وأمي التي وضعتني عند جذع الشجرة، اين هي اليوم؟ ولماذا القت بي الى المجهول بتلك القسوة الرهيبة؟ الآن ابي كان أبي بنظر الطبيعة وليس بنظر الله؟! دعوني ارحل فلن اكون كما كنت، سأظل في جحيم من التساؤل العنيد لن تنقذني منه السماء او انتم بجواب.. لم استطع الجواب فالقيت بنفسي عليه وبكينا سويّاً واخيراً استطعت ان اقول: «إنك لن ترحل. انك ارحم من ان تحكم علينا بحزن مؤبد طويل».
١٦ ايار
بعد غد تتحرك الباخرة..
بعد غد نصمت صمت الفاقد المحزون.
اكاد أجن وانا اراه يمشي كالحلم مبلّد الحس حائر النظرات.. كم اود ان اهزّه واصيح في وجهه:
«ألا ترى ما انت فاعل بنفسك وبنا؟ ستصبح ضائعاً وسنصبح مجرمين وويل لك ولنا من ذاك العذاب»..
مسكينة مي! خلت به امس
ساعتين... لا ادري ماذا قالت له، خرج هو بعد ذلك صامتاً وبقيت هي وحدها تحدّق في فراغ...
١٧ ايار.
إلهي! ما ارحمك! الهي، ما اكرمك!
انه لن يرحل! إنه لن يضيع... ولن يتخطى الحدود...
والتففنا حوله اليوم مساء مطرقي الرؤوس حائرين لا نستطيع الكلام وجلس هو صامتاً مقطب الجبين ينظر الى أمي.. ثم هبّ فجأة وركع امام أبي صارخاً:
«أبي، هاك تذكرة السفر، مزقها والقِ بها بعيدا، فلن اسافر. سأبقى معكم..»
عيداً تلك الساعة كانت! عيداً مقدساً فريداً! بكينا فرحا واخذ هو يشهق كالاطفال.. ثم التقت نظراتنا وابتسمنا! ما اغلاها يا اخي، ابتسامتك العذبة تلك. ما اغلى حبك وما اعزّك على قلبي.. قلبي الفرح المسكين الذي اجرم وسيكفّر بحبّه لك عن جريمته مدى الحياة..



